نفثة شَبَكِيَّة: أنا وتويتر

دون مقدِّمات، أريد أن أتحدَّث عن تجربتي مع الإنترنت، في الشهرين الأخيرين تغيَّرت -نظرًا لأسباب غير مهمة الآن- نظرتي للإنترنت كثيرًا، وصارت عندي أفكار كثيرة متعلِّقة بهذا الشأن. قد أكتب المزيد لاحقًا عن هذه النظرة، إن استطعت أن ألملم شتات أفكاري المتبعثرة حولها.

مما قدَّره الله عليَّ: أنْ أشعرَ بانزعاج شديد من نظرة الناس إلى الإنترنت، وكيفية التعامل مع الشبكة على كافة المستويات، من تصفح المعلومات العادي، مرورًا بالاهتمام بالمسح الشامل لقوالب محتوى الشبكة، وانتهاءً بإمكانية صناعة علاقات حميمية.

ماذا أعني بهذا؟ مررت قبل قليل على تغريدة يعلن فيها أحد المغرِّدين شكرَ متابعيه على كذا وكذا مما فعلوه من التقديرات التي يبدونها له، جميل، نبدأ بهذا؟ نعم، نبدأ بهذا، قد نمرّ لاحقًا إلى مزيدٍ من الكلام حول هذا الموضوع لكن فلنبدأ بهذه النقطة.

ماذا يعني أن تكون على تويتر؟ ماذا يعني أن ترتبط مع أشخاص على تويتر؟ هل تتعامل مع أشخاص واقعيّين على تويتر؟ في الحقّ أن الإجابة: نعم، لكن في الحقّ أيضًا أن الإجابة لا، وكلاهما من جهة.

حين تدخل على تويتر، ما يظهر للمتصفِّحين والمتعاملين معك ببساطة هو “المستخدم” user، منذ تلك اللحظة مباشرةً هُويّتك ليست [املأ الفراغ باسمك] المتشخِّص في الواقع، بما لك وما عليك، وبعلاقاتك المختلفة، وما تحبّ وما تكره، بل هويتك فيما يخصّ تويتر وأعضاء تويتر هي “المستخدم”.

حين تدخل على تويتر، لن تكون كما أنت في الواقع، هذا أمرٌ طبيعيّ تمامًا، فلا يمكنك نقل شخصيتك بحذافيرها إلى الفضاء الرقمي، بصورة قاطعة ومباشرة، تخضع “محتويات ذاتك” إن جاز التعبير إلى انتقاء selection، ولا أعني المعنى البسيط الذي تفهمه من الأمر، بل القضية أعمق.

الأمر أشبه بحالة ذهنية mindset تحطّ عليك، في اللحظة التي تفتح فيها حسابًا، أنت فارغ تمامًا، لستَ فارغًا في الواقع، لكنك فارغ في الفضاء الرقميّ، لم تنطق بكلمة، ومن ثمّ: أنت مولود جديد.. لو مررت في المشفى على مولود جديد، لن تشعر تجاهه بأي شيء ما لم تكن تربطك علاقة شخصية به أو بأهله.

وهكذا تويتر (سأظل مع مثال تويتر حتى حين) فإنك حين تفتح حسابًا جديدًا، لا يعرفك أحد سوى من تربطك به علاقة شخصية، هؤلاء لم يعرفوك من تويتر، بل علاقتهم بك تمتدّ إلى خارج تويتر، ولذا فهم مستثنون من أي كلام سنقوله. تعالوا إلى الموجودين على تويتر لحظة فتح حسابك ولنرَ تطوّر الأمور معهم.

ماذا سيحدث بعدها؟ ما لم تكن فتحت حسابك لمجرد التصفح (قد أتحدث عن التصفح في وقت آخر) فستبدأ التفاعل؛ ستبدأ بالكتابة ومتابعة أشخاص يمتلكون ميولًا مشابهة لك أو تراها أنت مهمة، ستبدأ بمشاركتهم والحديث معهم. صحيح أنك ستبرز جزءًا منك (حتى في حالات الحسابات “الترولز” وما إليها، هي كذلك تبرز جزءًا من صاحبها) لكن هذا الجزء انتقائي.

ستبقى “تختار” و”تنتقي” ما تريده أنت أن يظهر على حسابك، وسيبقى وجودك محصورًا في الحياة الرقمية، نمط آخر أنت “تستعمله” ومن ثمّ يشغل “جزءًا” من وقتك، ولا يشغل شخصيتك كلها، ولا ذاتك كلها.

ماذا يرى من يتلقى كلامك؟ هل يراك؟ لا. بل يرى “المستخدم”، الـ”user”، يرى الجزء الانتقائيّ الذي اخترت أن تظهره له، ما اخترت أنت أن تكتبه، ومع الوقت، سيخلق هذا المتلقّي (وهو “مستخدم” أيضًا) صورةً عنك دون إرادة، ستتشكّل من مجموع “المُدخَلات” التي يراها منك، صورةٌ كليَّة، هذه الصورة هي -عنده-: أنت.

هل هذه الصورة أنت حقًّا؟ لا، هي -كما قلنا- الجزء الذي اخترت أن تشاركه، الأمر يتعقّد أكثر إن صنع “المستخدم” صورةً نمطيّة لنفسه، أو “تروليّة” (قضيّة أن “الترول” أيضًا انعكاس واقعيّ وإن كان في نفسه لا يطابق الحقيقة= غايبة أصلًا عن الأذهان) أو اجتهد في خلق شخصيَّةٍ خاصة بكتابة خاصَّة لا يتجاوزها، لكنه على كلّ حال، تعقَّد أو لم يتعقَّد، حقيقة وواقع موجود.

ستبدأ أنتَ -في المقابل- التفاعل معه أيضًا، التفاعل مع “المستخدم” الآخر، ستنشأ بينكما علاقة، هي ليست بين شخصك وشخصه (قد تتطوَّر إلى ذلك لاحقًا) بل بين “المستخدم” و”المستخدم الآخر”، إلى الآن لا يمثّل الأمر مشكلةً، المشكلة حين تخطئ بظنِّك أن هذه العلاقة بين “مستخدم” و”آخر” هي علاقة شخصية واقعية.

“المستخدمون” على تويتر لا يعرفونك أصلًا، معرفتهم بما تكتب، وقضاؤهم وقتًا طويلًا في الحديث معك (نعم، وإن كان الحديث في أمور شخصية) لا يغيّر هذه الحقيقة، فأنتما في النهاية “مُستخدِمان” وعليك أن تفهم هذا. هذا يُعينك كثيرًا، ويزيل عنك ضغطًا كبيرًا في التعامل مع “المستخدمين” وضرورة “الارتقاء إلى مستوى توقعاتهم منك”.

لا يكفي أن تؤمن بهذا، بل يجب أن تتحوّل عندك إلى ركيزة ذهنية محرِّكة، إلى “mindset” تصدُرُ عنها صدورًا تلقائيًّا، لا ينبغي عليك أن تزدري “المستخدِمين”، عليك أن تنزلهم منزلتهم فحسب، عليك أن تعلم أنهم لا يعرفونك.

أمرُّ أحيانًا في تويتر على حسابات إخبارية شخصيَّة (لا مؤسسيَّة) تشكر متابعيها و”تعتذر عن التقصير” (!!) إن وُجد، وهذا خطأ، لكن يردّ عليها بعضهم مواسين -بحسن نيَّة فيما أظن- بخطأ أشنع وأقبح: “لا بأس ما دمتَ تبذل جهدك” نعم؟ لا بأس ما دمت تبذل جهدك؟

هذا كلام يُقال لشخصٍ يتعبّد ويتضرَّع إلى الله، لكنه يشعر بالتقصير، يُقال له: لا بأس ما دمتَ تبذل جهدك. يُقال لشخص يبرّ والديه قدر ما أمكنه، ويشعر مع ذلك بالتقصير، فيُقال: لا بأس، ما دمتَ تبذل جهدك. يا سيِّدي يُقال لشخصٍ يؤدي عمله كما يجب قدر استطاعته، فلا ينفكّ يشعر بالتقصير، فيُقال له: لا بأس، ما دمت تبذل جهدك!

أما حساب، ينقل الأخبار لأنه يهوى نقلَ الأخبار، يفعل ذلك لا يبغي من ورائه مقابلًا أصلًا، يُقال له: لا بأس ما دمتَ تبذل جهدك؟! بل يُقال له: لمَ عليك أن تكترث بحفنة من المُستخدِمين عديمي الفائدة أصلًا؟! إن صار الموضوع ضغطًا نفسيًّا، وجهدًا جهيدًا، وتعبًا مُضنيًا، دون فائدة ولا متعة، فتوقَّف ولا تفعله أصلًا!

ماذا سيفيدك هؤلاء؟ لايك وريتويت؟ هاشتاق باسمك؟ ثمّ ماذا؟! علامَ تعتذر أصلًا؟

سأحكي عن نفسي قليلًا، ترجمتُ فيما سبق إحدى المانجات، وأترجم أخرى حاليًّا. أكتب بعض المقالات على مدونتي، لديّ بعض الأمور التي أحسب أنها مفيدة للناس وتعجبهم، غير أنني لم أعتذر في حياتي على التأخير ولا على التوقف.

علامَ أعتذر؟ لمَ أعتذر؟ ليس هذا أمرًا مفروضًا عليّ، وإنما أفعله لأنني أجدُ فيه راحةً من عناء هذه الدنيا، فإن صار إلى أن يكون حِملًا ثقيلًا فلا مرحبًا به ولا سهلًا.

في حسابي الماضي على تويتر، صُنِعَتْ -دون إرادتي- صورةٌ نمطية لي (أو أكثر!)، وأنا نمطيّ، لكنني أكره الصور النمطيَّة. وانخرطت -أيضًا دون إرادتي- في مجتمع المثقفين البغيض، الذي يمتلّقُ بعضُه بعضًا، و”يسلِّكُ” بعضُه لبعض.

أقفلت حسابي الماضي لعدّة أسباب، ليس هذا الموضع مناسبًا لذكرها، لكن المذكور كان أحد الأسباب: عبء الصورة النمطيَّة. كان يمكنني أن أواصل في حسابي، فأنا لا أهتم إن لم يجد المتابع ما يريده عندي، لكنني شعرتُ أنه تحول إلى بيئة مسمومة، فقررت التخلص منه.

حظرت في حسابي الماضي شخصًا شتمني بعد أن انتقد تأخيرنا في طرح مجلدات “أكو نو هانا” ولا أذكر ما قلت له تحديدًا لكن جزءًا من كلامي كان: اقرأ بالإنجليزية (لا، لا أقبل النقد على التأخير أبدًا) فشتمني، واعتذر لاحقًا إليّ فقبلت اعتذاره، ليس المهم الآن هذا “المستخدم” الكريم، بل المهمّ بياني لنظرتي وكيف أتعامل مع هذا الفضاء.

لستُ مدينًا لأحدٍ بشيء، أقدِّم القليل مما يُفيد، والكثير مما لا يُفيد، إن أعجبك هذا يُسعدني، إن لم يعجبك، ففي تويتر متَّسع من المُستخدِمين، ولن أصلَ أبدًا إلى الحد الذي يجعلني أرى ما أفعله -مما هو مفيد لك- واجبًا عليّ، والفائدة -بحمد الله- غير مقصورة عليّ. وإن قررت التوقّف، لن أشعر بشيء.

بعد هذا الفاصل الشخصيّ: هل تتحوّل علاقات “المستخدمين” إلى علاقات شخصيَّة واقعيَّة؟ نعم، الأمر واضح إن اخترت أن تنقل العلاقة إلى الواقع (حتى في هذه الحالة يجب أن يحصل نوع من التعارف الكثيف)، وهو ممكن أيضًا حتى في النطاق الرقميّ فيما أرى، لكن متى؟

من يعلم؟ لستُ هنا لأجيبك.

4 تعليقات

  1. جهاد الخزاعي
    جهاد الخزاعي

    ألا تظن أنَّه في الواقع كذلك تستطيع صنع هوية غير هويتك؟ وربما تكون علاقة احترام ومودة بين المتابعين وصاحب الحساب..
    ما رأيك؟

  2. في التغريدة التشويقية لهذه المقالة أوردت لفظة “الأحباء” وما كنتُ لأقرأ لولاها -أمزح كنت سأقرأ على كل حال- المهم أني انتظرت بصبر مديد جزئية رومانسية في المقالة فلم أجد.. أريد اعتذارًا!!!!

اترك ردّاً