نَقد فكرة التقييم: مدى دلالة التقييم على الرأي

هذه مقالة كان مُخطَّطُها جاهِزًا عندي مُنذ نصف سنة على وجه التَّقريب، وكنتُ أتلكَّأُ -حينئذ- في كتابتها هي وغيرها، فظلَّت مُخطَّطًا، ثُمّ حلَّتْ أشهرٌ ألقَتْ فيها عليَّ الدُّنيا بثقلها، فلم يتبادر إلى ذهني هذا المُخطَّط أصلًا، إلا -اللهمَّ- لمامًا. فلمَّا هان الخطبُ، ووضعتُ أثقالي قليلًا لأستريح، لهوتُ ولهيتُ، ونسيت مجدَّدًا.

وبتحفيز بعض أصحابي (وهو مُصمِّم الصورة أعلاه، فأشكرُه شكرًا جزيلًا على التشجيع، وعلى الصورة) عُدتُ أراجِعُ هذا المُخطَّط، لأكتُبَ ما حفظتُه من مضمونِ نقاطه، وعسى أن لا تفوتني شاردةٌ من شوارد ذهني، فإنّي اعتدتُ أنْ لا أكتُبَ إلا رؤوس أقلام بسيطة واثقًا -ثقة في غير محلِّها- بأحوال ذاكرتي، أقول “في غير محلِّها” على أنَّ ذاكرتي جيِّدة، لكن جلَّ من لا يسهو، ومشاغل الذِّهن كثيرة، والله يُعينني وإياكم.

ما أودُّ أن أتكلَّم فيه (وكأنّ نفسي ما زالت تحاربُني على كتابته، إذ أفضتُ في المقدِّمة!) هو فكرة التقييم، فإن تبادر إلى ذهنكَ من العنوان أنَّنِي أريد إلغاء هذه الفكرة فليس ذاك، بل أريدُ في هذه المقالة أن أفصِّل في وجهة نظري حول هذه الفكرة، لنرى ما لها وما عليها، بل بعبارةٍ أدقّ: أن نصفَها وصفًا دقيقًا بحيثُ يعرف القارئ قيمتها الحقيقية، لا أقلّ في نظري.

وسأَجْرِي في هذا المقال على رؤوس أقلامي؛ بأن يكون كلُّ واحدٍ منها عنوانًا فرعيًّا، وأنبِّهُ على ما يندرجُ تحته كلَّما اقتضت الضرورة، فهلمَّ.

التقييم: مدى فائدته وعكسِه للرأي

سأفترضُ في هذه المقالة أنَّ الغرض من التقييم عكس الرأي، أعني بذلك: أنَّك عندما تُقيِّم عملًا ما، فإنَّك تضَعُ رأيك في هذا الرَّقم، سواءٌ جريتَ على مقاييسَ محدَّدة تجعل هذا الرَّقم موافقًا لوصف معيَّن (مثلًا: 8= جيِّدٌ جدًّا، وهكذا) أو لا.

أقول هذا الكلام لأن العوامل الداخلة في التقييم كثيرة، وكثيرًا ما يُصرِّحُ المقيِّمون (ولن أستخدم “النقَّاد” ههنا لأنّ شأنهم آخر) بأن عاطفتهم تجاه هذا العمل داخلةٌ في تقييمهم (وهذا ليس انتقادًا منِّي لهم، فاصبر وافهم)، وحينها فلا يُمكن أن نقول إن هذا المقيِّمَ قد جرى على نمطٍ ثابت من ربط الرَّقم بالمستوى الذي يرى العمل عليه.

مِن هُنا يتبيَّن بصورة قاطعة أن عبارة “التقييم مجرَّدُ رقم” لا معنى لها، بل هي خطأ محض؛ إذ ليس التقييم مجرَّد رقم، بل هو -وركِّز معي لأن هذه العبارة مهمَّةٌ جدًّا-: صورةٌ مختزلةٌ لوجهة نظرك عن العمل محلّ التقييم.

سأطرحُ أمثلةً لاحِقًا، لكن من المهمّ الآن -وصدِّقني هذا ليس كلامًا فارغًا ولا تطويلًا لا معنى له- أن نتعرَّض إلى العبارة التي قُلتُها أعلاه، وأبرهِنَ لك سرَّ كلامي، وأبيِّنَ لك علامَ بنيتُ هذه النتيجة التي توصَّلتُ إليها بعد الفحص والتدقيق:

أوَّلًا: التقييم خاضِعٌ -بصورة أو أخرى- إلى معايير عند كلِّ شخصٍ يُقيِّمه، بصرف النظر عن قيمة هذه المعايير، وبصرف النَّظر هل هي معايير موضوعيَّة (وأعني “بموضوعيَّة”: مكتسبة لقيمتها من ذاتِها، دون أن تخضع لنسبيَّة كلّ شخص، راجِع “السلسلة النقدية” للمزيد)، وبصرف النَّظر: هل العاطفة ضمن هذه المعايير أو لا (انظُر أيضًا: “نقد التقييم العاطفي“)، المهمّ أن هذه المعايير بعبارةٍ بسيطة: أمور محدَّدة يرتكزُ عليها من يُقيِّمُ عملًا ما.

هذه المعايير قد يجهل صياغتها المقيِّمُ نفسُه، قد لا يعلمُ هو أصلًا أن جزئيَّةً بسيطةً إن تغيَّرت ستتغيَّرُ وجهة نظرِه كليًّا في العمل، ذلك لأنَّه يقصد من وراء متابعته للعمل وتقييمه المتعةَ، ومحضَ المتعة، فلا يهمُّه أن يحلِّلَ نفسَه وتوجُّهاتِه ليتوصَّل -بالدِّقَّة- إلى النمط الذي يُحبُّه، والأمور التي إذا اجتمعتْ أورَثَتْ في نفسِه حبًّا لهذا العمل، لأنَّه -مرَّةً أخرى- غيرُ معنيٍّ بذلك، ولا يهتمُّ به.

ثمَّ هَبْ أنه يعرفها، ويعرف صياغتها بصورة دقيقة، فهل أنت تعرفُها؟ لا، إلّا أن يكون قد صاغها للعلَن وأعلن عنها، فحينها ستُعرف عنه، وأُعيد: بصرف النظر عن مدى قيمة هذه المعايير، فليس هذا موضع الحديث عنها الآن. (سأعود لفائدة علمك بمعاييره من عدمها لاحقًا)

ثمّ هَبْ -بعد ذلك- أنَّك تعرِفُها، فإن وجدتَه قيَّم هذا العمل مثلًا 8/10، فإنّ -على ذهنك- أن يحلِّلَ هذا التقييم بحيثُ يردُّه إلى عناصِره الأوليَّة، ويتبيَّنَ -خلال ذلك- لمَ قيَّم هذا العبقريُّ الفذّ هذا العمل 8/10! (يزيد ذلك حين تجدُه قيَّم العمل 8.5 مثلًا!!) ولمَ 8 بالذَّات؟!! هذا إن افترضْنا أن الأخ صاحب التقييم قام بمجهود ذهنيّ خارق، بحيث يطبِّقُ معاييره هذه على هذا الرَّقم بصورة منضبطة لا تختلف في أي تقييم!

وهنا نسأل (وهذا الموضع الذي يتبيَّن فيه فائدة علمك بمعاييره من عدمِها): أيُّ فائدة حقيقيَّة للتقييم في توصيل وجهة نظرِكَ للشخصِ الآخر، إن لم يكن يعرفُ معاييرك المتَّبعة في التقييم أصلًا؟! أو إن كان يعرفُها، لكنْ لا يَعرف كيف تطبِّقُها تحديدًا على الرَّقم؟! أو كان يعرف كيف تطبِّقها على الرَّقم، لكن عليه أن يُجهِدَ عقله وذهنه في أن يتوصَّل لكيفيَّة تطبيقك معاييرك على الرَّقم بدقَّة؟! هذا على فرض أنَّك -حضرةَ العبقريّ الفذّ- التزمتَ بمعاييرك بدقَّة عالية، بحيث طبَّقتها بدقَّة في تقييمك!

فإن لم يكن كلُّ ذلك -ونادرٌ أن يكون!- فأيُّ فائدة للتقييم أصلًا؟ ما أودُّ قوله مِن هذا الاستعراض كلِّه: إنَّ التقييم -بمجرَّدِه- يصعبُ أن يعكسَ رأيك الحقيقيّ إلا بمعونة قرائن أخرى، كمعرفة الآخرين لمعاييرك ومقدرتهم على ربطها بأرقامك، فنخلُصُ إلى أنَّ تعبير التقييم عن رأيك تعبير مُختزلٌ جدًّا وبحاجة إلى إيضاح.

جديرٌ بالذِّكر ههنا أن طبيعة التقييم؛ أعني كونه دلالة مختزلةً على الرأي، حاصلةٌ على كلِّ حال، وإن أفاض لك المُقيِّمُ في معادلاته الرياضيَّة التي تُفضِي إلى تقييماته، هذا هو تـأثير الرَّقم؛ الاختزال، قد تقول: لعلّ الاختزال مُفيدٌ أحيانًا؟ فأقول: لا بأس، لكن عليك أن تضعه في سياقه الصحيح، ولا عليكَ بعد ذلك أن تستفيد منه.

لذلك ستجدُ كثيرًا من النِّقاشات الضارية والجدالات المدويَّة، حيث يُلقي فيها فلاسفةُ التقييم عصيَّهم!!= لا معنى لها، إذ يأتي شخصٌ يعترض على أنَّك قيَّمتَ هذه “التُّحفة الفنيَّة السرياليَّة البصريَّة القوطيَّة” 7/10، فيشنُّ عليك حملاتٍ عرمرميَّة، دون أن يعرفَ أصلًا إلى أيِّ مستوًى بالضَّبط يُشير هذا الرَّقم عندك، وأنت -يا حضرة الفيلسوف الاختزالي!!- لم توضِّح له لمَ لمْ تنَل منكَ هذه “التحفة الفائقة” أكثر من 7.

رُويدَكَ، فإنِّي لا أقول: التقييم لا قيمة له ولا داعي له، ولن أخرج في الشَّارع أتظاهر ضدَّ MAL وأحرق شعار موقعهم، ما أقوله -بيُسر وهدوء- إن عليك أن تضَع هذه الأرقام في سياقها الصحيح، ولموقفي من التقييم فضلُ قولٍ سأوضحه في النِّهاية، لكن الآن أُريد أن أفرِّع على كون التقييم مختزلًا ما ينتُج عن هذا الاختزال: وهو أنَّ جملةً كبيرةً من الأشياء لن يعكسَها التقييم.

أمور لا يعكِسُها التقييم: 1- المُتعة

من الأمور التي لا يعكسُها التقييم: المتعة الشخصيَّة أثناء خوضك لتجربتك الشخصيَّة مع العمل، وقبل أن تَصرُخَ في وجهي بعباراتك العبقريَّة: “هاه! بل أنا أقيِّمُ حسب المتعة، فكلامك غير صحيح!” أقول لك بل كلامي صحيح لكنَّك لا تسكتُ لتستمع إلى بقيَّتِه!! لنَعُد إلى ما قلتُه قبل قليل: ما أدراني على أيّ مقياس تقيس متعتك لأعرف المستوى الذي ترى عليه العمل من تقييمك هذا؟!

أيًّا كانت وجهة نظرك تجاه قضيَّة “دخول التجربة الشخصيَّة في تقييم العمل”، فإنَّ مجرَّد الرَّقم -ما لم توضِّح على أيِّ أساسٍ بنيتَه- لا يُفيدني -أنا الذي أتحرَّقُ شوقًا لمعرفة وجهة نظرِكَ المهمَّة عن هذا العمل!!- شيئًا.

لنأتِ إلى فلاسفة الأنمي والمحتوى الذين يرون أن “المتعة الشخصيَّة” (ولهذا التنصيص معنًى عميق بالمناسبة) لا تدخُل في التقييم، بل ما يجبُ أن يدخُل هو “المعايير الموضوعيَّة” فحسب، دون تجربة شخصيَّة ولا غير ذلك من “الثياب” كما يقول أحدُ الفلاسفة!

فهؤلاء -الفلاسفة أعني- أيضًا بدورهم لن يعكس التقييم مدى استمتاعهم بالعمل، فإن كنتَ -لا سمح الله- ممّن يهتمّ بمعرفة مدى استمتاعهم بالعمل، أو أرادوا هم أن يوضِّحوا للنَّاس رأيهم في هذا العمل أو ذاك بمجرَّدِ تقييمهم، فإنّ هذا الجانب لن يبرز، فيثبتُ على كلا الوجهين أن التقييم لا يعكس المتعة الشخصيَّة والتجربة الذاتية مع العمل.

سأعودُ في النِّهاية لأبيِّن لك وجهة نظري حول “المتعة” هذه، واشتباهات جهابذة تويتر وفلاسفته حولها! لكني أريدُ الآن أن أبيِّن لك أنَّه -على أيِّ وجهٍ تختارُه- لن يُبيِّنَ لك التقييم المتعة الشخصيَّة.

2- الموقف التفصيلي

المقابِلُ “للتفصيل” في اللغة العربيَّة هو “الإجمال”، والتقييم موقفٌ اختزاليّ إجماليّ من العمل، ثمَّة أمورٌ واضحة لا تحتاجُ إلى التساؤل عنها، مثلًا إن قيَّمتَ عملًا تقييمًا عاليًّا كـ9 أو 10 فإنَّ العمل أعجبك، ورأيُك فيه إيجابيّ، والعكس صحيح، لكنَّ مجرَّد التقييم لا يُبيِّن رأيك، لماذا أعجبك؟ هل تَرى موقفك منه موضوعيًّا أو تقيِّمُ حسب الإعجاب ولا تهتمُّ بغير ذلك؟

أيًّا كان اختيارُك لما تبني عليه التقييم، فإنّه لن يُبيِّن وجهة نظرِك التفصيليَّة حول العمل، من الحالاتِ التي يتبيَّنُ فيها هذا الشيء بوضوح السؤال الآتي: هل ارتفع العمل ليبلُغَ هذا التقييم، أو انحطَّ تقييمُه بسببِ شيءٍ لم يُعجِبكَ في النِّهاية؟ لا تخَف، سأوضِّح لك بمثال ما أقصده من هذا السؤال:

تصوَّر معي أنَّك قيَّمت عملًا ما 9/10، هل هذا التقييم لأن مستوى العمل رائع، وهذا هو مستواه، أو كان -في مرحلةٍ ما- يستحقّ العلامة الكاملة، ونزل درجةً نظرًا لجزئيَّة مُعيَّنةٍ سلبيَّة أو لم تُعجبك -على كلا الاحتمالين في مذهبك في التقييم-؟ هذا لا يوضِّحُه الرَّقم، بل توضِّحُه وجهة نظرِك التفصيليَّة، ولعلّ “المتعة” تدخُل تحت هذا الشيء أيضًا.

من الأمور التفصيليَّة أيضًا إعجابك بالشخصيَّة، كثيرًا ما يكون العملُ جيِّدًا جدًّا بالنسبة لي، لكنّ فيه شخصيَّةً أراها من أفضل الشخصيَّات عندي (سواءٌ من ناحية بناء الشخصيَّة أو من ناحية الإعجاب الشخصي)، رأيك في العمل عمومًا سيتضمَّن رأيك في الشخصيَّات إن تحدَّثت وبيَّنت، لكن الرَّقم لن يُبيِّنَ ذلك أبدًا، وإن رفعته بسبب الشخصية، فلا أحد يعلم أنك رفعته أصلًا!

موقفي النهائي من التقييم مع الأمثلة

كما ترى من صياغة العنوان الفرعيّ المهترئة! فإنَّني في الأصل خطَّطت لأن يكون موقفي النهائي أخيرًا، مسبوقًا بأمثلة تبيِّن الطلاسم الذي ذكرتُها أعلاه ليتَّضح لك معنى ما أقول، وأنه ليس مجرَّد تنظيرٍ لا معنى له، لكنَّ الأمثلة ستتضمَّن رأيي الشخصي، لذا لا بُد من طرحِ موقفي بصورة واضحة من التقييم قبل أن أمضِيَ إلى الأمثلة، وسأبيِّن في كلِّ مثالٍ على أيِّ شيءٍ هو (أعني المثال) من الأمور التي ذكرتُها أعلاه.

وجهة نظري في التَّقييم تتَّضِح من متابعة مقالاتي وحسابي، أنا شخصيًّا (ولا أدعوك لتقليدي، فلا داعي لافتعال شجارٍ لا معنى له معي ورشقي بجملةٍ من الكلمات التويتريَّة!) أقيِّمُ الأعمال حسب نظرتي الموضوعيَّة لها، وقد بيَّنتُ معنى هذه “الموضوعيَّة” في سلسلتي النقديَّة التي أرشدتُكَ إليها خلال المقال، لئلّا تظنَّ أنِّي أرسلُ الكلام على عواهنه!

ليس معنى هذا أنِّي أرى “التجربة الشخصية” لا دخل لها في تقييم العمل، بل قد بيَّنتُ مرارًا (وجميع ما سأذكرُه هنا مفصَّلٌ في السلسلة النقديَّة، وفي مقالتي “نقد التقييم العاطفي”) أن العاطفة تجاه العمل إن كانت نابعةً من قوَّة العمل نفسِه، فيجب أن تدخُلَ في التقييم الموضوعيّ للعمل، وإلا فلا دخل لها في التقييم.

وبيَّنتُ هناك أيضًا أنّه لا بُد للإنسان أن يبنِيَ مواقفه الثقافيَّة والفنيَّة على معايير سابقة في الذِّهن، وأنه لا معنى لعبارة “يجب أن تتجرَّد من كلِّ معتقداتك/أفكارك لتنظُر للعمل نظرة موضوعيَّة”، وأنها عبارةٌ عديمة الطعم واللون والرائحة، وهذرٌ من القول لا تُصيبُ منه شيئًا.

ولا أزعُم أنَّ أرقامي دقيقةٌ في تطبيق معاييري تمامًا، لكنني أزعُمُ أنني أراعيها حال التقييم، وبعبارةٍ أخرى: ما أبتغيه في تقييمي أن يكون عاكسًا لوجهة نظري الموضوعيَّة الفنيَّة حول العمل الذي أقيِّمُه، لا عاكسًا لمشاعري الشخصيَّة تجاهه.

لا داعي لأن أقول -طبعًا- إن عندي مشاعر تجاه الأعمال! فكثيرًا ما أتعلَّق بعملٍ تعلُّقًا شديدًا، لكنّي لا أعطيه العلامة الكاملة، لأنني لا أراه يستحقُّها، بل رُبَّما تعلَّقتُ بأعمالٍ لا أراها أعمالًا ممتازة، لأسبابٍ معيَّنة، وقد تسأل بعد ذلك: ولمَ تكبِّدُ نفسك كلَّ هذا العناء؟ إنما هي متعة، وإنما هو مجرد تقييم لستَ مُحاسبًا عليه، والجواب: لأني أحبّ ذلك، ولعلّ ثمَّة من يستفيد من هذا الأسلوب في اختيار الأعمال.

بعبارةٍ موجزة: التقييم لا يُبيِّنُ رأيك التفصيلي حول العمل، بل ينبغي أن تتكلَّم لتبيِّنَ رأيك، لكنَّه يُعين على معرفة رأيك خصوصًا إن كنتَ بيَّنتَ كيفيَّة تقييمك للأعمال والأسس التي تبني عليها تقييماتك.

الآن أريد أن أتطرَّقَ إلى الأمثلة التي تبيِّنُ وجهة نظري، مثلًا -وأرجو أن لا يؤدّي هذا المثال لاغتيالي من قِبل فلاسفة تويتر!!- العمل الشهير “إيفانجليون” Evangelion والفِلم المُكمِّل له End of Evangelion، أوَّلًا قد بيَّنتُ مفصَّلًا في مقالةٍ كاملة -ومرَّة أخرى في مقالتي “تطبيق الحبكة”- وجهة نظري أن هذا العمل فيه مواصفات التُّحفة، وفيه جوانب عظيمة جدًّا، لكن فيه مشكلةً عويصة تتعلَّق بالحبكة، وفي بناء الشخصيَّات (تحديدًا: في جانب التركيز على الشخصيَّات، وارتباط الأحداث ببعضِها فيما يخصُّها، والتفصيل هناك).

وبيَّنتُ أيضًا أن هذه المشكلة ازدادَتْ حدَّةً في الفلم، مما أوقفني حائرًا لا أعرف أيَّ رقمٍ أعطيه في التقييم فبقِيَ إلى اليوم بلا تقييم أصلًا، أمَّا الأنمي فقيَّمتُه 8.5/10، فهل تَرى بعد ذلك أن هذا الرَّقم سيوضِّح لك رأيي المعقَّد الطويل حول هذا العمل؟! أو أنه سيجرُّ عليَّ -وقد فَعَلَ- ذمَّ فلاسفة تويتر! والاتهامات “بعدم فهم هذا العمل العظيم”؟!

لكنني لم آتِ لكَ بمثال إيفانجليون لأتوقَّف عند حالته الفردية، بل أودُّ أن أقارنَه بغيره، بعد أن يفرُغ الفيلسوف الفذ من تحليله لحالتي الفرديَّة مع إيفانجليون، وعدم فهمي له ولعُمقِه الغائر (رغم أنَّني تحدَّثت عن عُمقِه طبعًا!) سيُعرِّجُ على قائمتي ليجدني قيَّمتُ “جوجوتسو كايسن” Jujutsu Kaisen فوق إيفانجليون بنصف درجة 9/10، ليضحكَ مجدَّدًا على جهلي!

كيف لهذا العمل الشونينيّ، الخالي من أي “أفكارٍ” و”عُمق” أن ينال هذا التقييم؟! في حين ينزل إيفانجليون، العمل الأيقونيّ، درجةً ونصف عن العلامة الكاملة؟! أمَّا حين أقول رأيي المفصَّل، فسأقول: إنّ التعامل مع جوجوتسو يختلف مع التعامل مع إيفانجليون لكونِه شونين، والآخر عمل يعالِجُ أفكارًا في الحياة والذَّات والوجود، فليس مطلوبًا من جوجوتسو أن يعرِض لهذه الأفكار، وليس خلوُّه منها قادحًا فيه.

وليست النَّظرةُ له كالنظرة لإيفانجليون، وليس تقييمُه كتقييمِه، ولا المجهود المطلوب لضبط الشخصيَّات وبنائها بناءً سليمًا في إيفانجليون، كالمطلوب في جوجوتسو كايسن، فليس مجرَّدُ عرضِ الأفكار مفضِّلًا للعمل على غيره، وليس علوُّ تقييم هذا العمل على ذاك موقفًا قاطعًا بتفضيله، بل للمقارنةِ محلُّها وينبغي -إن وُجِدَت- أن تكون تفصيلية مراعية لهذا الاختلاف.

حين أقول كلَّ ذلك، طبعًا لن يقتنع الأخ الفيلسوف، لكن وجهة نظري ستكون واضحةً على كلِّ حال، وسيتبيَّن لك أنِّي على الأقل صاحب وجهة نظر خلف هذه التقييمات، لا رامٍ لأرقامٍ لا معنى لها. وأيًّا كان، فلنترُك هذا إلى مثالٍ آخر.

بيَّنتُ في مقالتين تفصيليَّتين (الأولىالثانية) أيضًا موقفي من “Tensei shitara Slime Datta Ken” وهو من أعمالي المُحبَّبة جدًّا إلى قلبي، وكذا “يورو كامب” Yuru Camp، على أنَّ تقييمَ كلٍّ منهُما عندي 8/10. لا يُمكنني أن أقول إنَّ “سهولة الطَّرح” في العمل عامل من عوامل تقييمي دائمًا، لكنه أحيانًا كذلك، فمَن أتقنَ عملًا كـMonster مثلًا، ليس كمن أتقنَ عملًا كالسلايم، فصعوبةُ الموضوع لها دور.

كلا العملين – يورو كامب والسلايم- من الأعمال التي أراها رائعة في مجالِها وتستحقُّ تقديرًا كبيرًا، وقد تجنَّبَتْ كبواتٍ شديدة وقعتْ فيها أعمال غيرها في تصنيفها، لكنَّ مجرَّد التقييم لن يبيِّن رأيي فيهما: لن يُبيِّن التقييم مثلًا أنَّنِي أرى شخصيَّة “ريمورو” من الشخصيات العظيمة نظرًا لقوَّة بنائها من جهة، وكاريزمتها من جهة ثانية، ولن يُبيِّن أنني أرى جوانبَ من يورو كامب عظيمة جدًّا تبدو للناظر سهلة وهي تُنبِئ عن فهم دقيق جدًّا من مؤلِّفه لجوانب كثيرة من الحياة وشعور الإنسان فيها.

إن أردتُ أن أطرح مثالًا مغايرًا لما سبق يصبُّ في مسألة عدم عكس التقييم للمتعة الشخصية، فإنني قرأت قبل مدّة تحت إلحاح أحد الأصدقاء مانجا “التوائم الخمس” – Gotoubun no Hanayome ولولا أنني استمتعت بها ما أكملتها، فجانب اليوميات تحديدًا راق لي في هذا العمل.

غير أن العمل في ذاته ضعيف جدًّا – إلى حدّ استغباء القارئ- من نواحٍ أخرى كثيرة كبناء الشخصيات والحبكة، وبعبارتي القاسية بعد أن أنهيت المانجا: “‏نيجي شديد الضعف في بناء الشخصيات، وأيضًا يبدو أنه يظن نفسه يكتب لمجموعة من الأغبياء نظرًا لبعض الأحداث شديدة السخافة، أو أنه هو شديد الغباء.” (تنبيه: نهاية المانجا جيدة ومنطقية، خلافًا “للفانبويز”، كما قلت أيضًا، على أني لم أهتم بمن “تفوز” بصراحة.)

فحين أوازن بين كل هذا، أخلص إلى أن هذا العمل يستحق حسب منهجي الذي أتبعه 6/10، ومن يعرف كيف أبني آرائي يعرفُ أنه تقييم ليس به بأس، ويعرف أنني لن أنهي عملًا لم يعجبني مطلقًا، ولم أستمتع به، فضلًا عن أن أقيِّمه هذا التقييم، غير أنه لن ينال مني تقييمًا عاليًا لأنه عمل فيه جوانب سيئة كثيرة (ولم استمتع باستغباء الكاتب لي، أو غبائه، على كلا الوجهين!!).

نظرًا لتفكيري ومنهجي في محاولة جعل التقييم عندي ممثلًا لوجهة نظر موضوعية متماسكة، أغيِّر التقييمات وربما تركتها فارغةً لسبب أو لآخر مكتفيًا بطرح رأيي لمن يَسأل أو للعلن إن اهتممتُ.

ينبغي أن أُشير إلى نقطة مهمَّة ههنا نبَّهني إليها أحدُ الأصدقاء حين عرضتُ عليه هذا المقال قبل نشره، وهي: أنَّ مجرَّد تحويل الأرقام إلى كلماتٍ مختزلة لا يُفيد كثيرًا هو الآخر، فهذا -وإن كان أقلّ اختزالًا- يبقى كلامًا غائمًا يصعبُ الوقوف على رأيِك التفصيليّ من ورائه، حين تقول مثلًا: “هذا العمل مميَّز بصريًّا”، لماذا هو مُميَّزٌ بصريًّا؟ ما الذي رأيتَه فيه وجعلك تقول إنه مُميَّزٌ بصريًّا؟ وعلى هذا فَقِس.

أنبِّه مجدَّدًا أنَّنِي لا أعارض أن تقول هذا الكلام، فأنا قد أقوله أحيانًا، خصوصًا حين يكون الأمر واضحًا في رأيي، لكن ما أريدُ التنبيه إليه هو أنَّ هذا الضَّرب من القول لا يُعطي وجهًا تفصيليًّا لرأيك. فإن ألبستَ مثلَ هذا لباس “التحليل المُعمَّق” وجعلتَه مع ذلك “مراجعةً شاملة”= زعمتَ في كلامك ما ليس فيه.

ختامًا، للناس في تقييماتهم مذاهب، ولا بأس بذلك، ولستُ أدعو لترك التقييم، بل أدعو -إذا شاء الإنسان أن يبيِّن وجهة نظرِه للنَّاس- أن يبيِّن بالكلام رأيه، في مقالة أو سلسلة تغريدات أو فيديو أو غير ذلك، ويُمكن أن نلخِّص بأن نقول: دلالة التقييم على الرأي دلالة اختزاليَّة، والقولِ دلالةٌ تفصيليَّة. ونلقاكم في مقالٍ آخر.

تعليق واحد

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.