Tensei shitara Slime Datta Ken | ما سرُّ حبِّي له؟ – تحليل مفصَّل

“لمَ أحببتَ السلايم كلَّ هذا الحب؟” لا أحد -حقيقةً- يتساءل، لا أحد -إلا مَن نَدَر- يعرف أنني أحبُّه كلَّ هذا الحبّ أصلًا، ومن يعلمُ؛ يعلمُ سلفًا لمَ أحبُّه. فكرةُ الكتابة عن السلايم -كما هي لطيفة ومُغرية- مُتعبة ومُضنِيَة، وهي لطيفة ومُغرية لأن عندي الكثير مما يُقال، ولعلَّها للسبب ذاته مُتعبة ومُضنية.

خشيتُ إن لم أكتب الآن أن تختفي كلُّ هذه الأفكار، لذا اخترت أن أستريح من السلسلة النقديَّة التي أتعبتُكَ معي فيها -عزيزي القارئ- قليلًا في “غابة جورا”! ولعلَّ سبب “أرشفة الذات” الذي له أكتبُ السلسلة النقديَّة= له أكتب هذا المقال أيضًا، وقد انتهيت من الموسم الأوَّل أمس.

قبل أن أشرع في موضوعي، أنبِّه إلى أمرين مهمَّين؛ الأوَّل: أكتب في هذا المقال تحليلًا لا مراجعةً، لذا سأفترض في قارئه مشاهدة العمل. ثانيًا: يقتصر المقال على تحليل الجزئيَّات التي جعلتني أحبّ هذا العمل إلى هذه الدَّرجة وأقدِّرُه -فنيًّا- تقديرًا شديدًا. وبمعنى آخر: لن أتعرَّضَ إلى كلِّ ما يُمكن أن يُقال حول العمل.

جماليَّة الظُّروف المُحيطة

كما يعلم جميعكم، هذا الأنمي “آيسيكاي”، البطل ينتقل فيه -بعد أن يُطعن ويموت- إلى عالمٍ آخر، لكن ههنا تكمن أوَّل صفة للعمل: البطل قويّ سلَفًا. ينتقل “ميكامي ساتورو” (لاحقًا: ريمورو تيمبست) إلى عالمٍ آخر، ثمّ تستعرض القصة نفسَها تدريجيًّا.

زمانيًّا، ليست الأمور محدَّدةً تمامًا لنا، إذ نرى ههنا عالمًا آخر بمقاييس ليست تلك التي نراها في عالمنا الواقعيّ، لكن الأدوات المستخدمة تبيّن أنه عالم لا يحمل تطوُّرًا تكنولوجيًّا، وبدلًا من هذا: يحمل العالم صفات القوى الخارقة، والمخلوقات الأسطورية.

مكانيًّا، ثمة خريطة توضِّح هذا العالم، بوسعك أن ترى كم استفاد المؤلِّفُ من الألعاب في عرض هذه التجربة دون أن يبدو هذا الجانب “مُقحمًا”، سأتحدث لاحقًا عن شخصية ريمورو بذاتها، لكن بوسعك أن ترى كيف يستعمل ماضيه في لعب ألعاب الفيديو، وفي الإلمام بثقافتها عمومًا.

يستعمل الكاتب أيضًا هذا الوسط القريب من وسط الألعاب، في قضيَّة الكوميديا (السطر الكوميديّ المشهور: “لستُ سلايمًا سيِّئًا”) لكن على كلِّ حال: الميزة الأكبر في عرض العالم في الأنمي هو إرضاء حب الاستكشاف بشكل تدريجيّ.

يحوي العالم عدَّة ممالك، لكنها ليست موجودةً لتحفظها أنت وينساها المؤلف، بل تتعرَّفُ عليها شيئًا فشيئًا ودون ترتيب زمنيّ صارم؛ تتداخل الأحداث بين هذه الممالك لتستكشف أنت العالم الساحر، وترضي فضولك كلّ حلقة.

ستُلاحظ أن هذا لا ينطبق عليك أنت فحسب، بل على بطل القصة نفسه؛ يُمضي ريمورو أيَّامًا في القبو يستكشف المُحيط، إلى أن يلتقي “فيلدورا”، يلتقي لاحقًا الغوبلنز، ثم الذئاب، وهكذا. ريمورو جاهل بالعالم الجديد، لذا -فيما عدا اللحظات التي يتحدَّثُ فيها راويًا من المستقبل- تستكشف أنت معه العالم.

تنوّع الأنمي في مخلوقاته، وقدرات هذه المخلوقات، وفي القوانين الموجودة، وفي صفات الشخصيَّات المختلفة، وفي الممالك المختلفة= يعطي العمل هذه الميزة الساحرة، والجوّ الممتع المثير للخيال. في كل حلقة، ترى أنت الأحداث التي تجري، لكن صورة العالم الواسع سياق يحكم هذه الأحداث ويغلِّفُها بهذا الجو الحالم.

اللعب على الحدود: انسجام العالم وتبرير السخف

لعلّ من قرأ كلامي في السلسلة النقديَّة عن أهمية ملاحظة السياق الخاص، وكذا مقالاتي عن الحبكة، سيسهل عليه فهم هذه النقطة دون أن أشرح كثيرًا. لم يُفصّل هذا العمل كثيرًا في بيان المعلومات حول عالمه، لا نرى “رمي المعلومات” و”الشرح الكثيف” دون سياق، وتتضح الأمور فيه بالأحداث والحوارات البسيطة.

نجح العمل كثيرًا في اللعب على حدوده التي وضعها لنفسه؛ حين نستكشف السياق الخاص، سنجد أنّ السلايم عمل بسيط، لا يحتوي على تفاصيل معقدة يضطر نفسه للالتزام بها، كما لا يسمح سياقه الخاص بهذه الأمور أصلًا، ولذا لن تجده يُحاول شيئًا من هذا، لا تجده يصطنعُ ما لا يناسبه.

هذا أيضًا يجرّنا لميزان الحبكة؛ أعني قانون “الحتميَّة أو الاحتمال” الذي شرحناه مرارًا وبيّنَّا خضوع “الاحتمال” لسياق القصّة، وهذا الجانب مميَّزٌ جدًّا في هذا العمل. بساطة القصَّة والعالم، وكذلك التنوُّع الذي ذكرناه في النقطة الماضية، ساهما في إضفاء الطابع الخيالي، وتبرير البُعد عن الواقع، بل وتبرير السخف في هذا السياق الخاص.

ولا أعني “بالبعد عن الواقع” قوانين العالم الواقعيّ الخارجيَّة فقط بل تلك المتعلّقة بتصرُّفات الشخصيَّات أيضًا، فأنت في عمل “شونيني” بامتياز، عرف كيف يضع إطارًا قصصيًّا ثم يستغلّ وسطَه إلى الحدود القصوى.

فلنأخذ مثالًا: ظهور شخصيَّة “ميليم”، شخصيَّة طفوليَّة لطيفة، في عالم غريب ليست قوانينه قوانيننا ولا شخصيَّاته شخصيَّاتنا، فهي إذًا شخصيَّة مختلفة حتى بمقاييس هذا العالم المختلف، تأمَّل إلى أيِّ حدٍّ يمكن أن يُستغل هذا الشيء؟ أقول: إلى حدِّ السخف، لكن السخف المقبول.

تشعر ميليم باهتمام تجاه ريمورو بعد أن سمعت عن إنجازاته، لذا تأخذ العهود على أصحابها “السادة الشياطين” Demon Lords أن لا يتدخَّلوا، تقابل ريمورو وجهًا لوجه، وتقاتل أصحابه، فلا يتمكَّن أحدُهم من التصدِّي لها أصلًا. أمرٌ مفهوم تمامًا أخذًا بنظام التصنيفات في الأنمي.

يكتشف ريمورو نفسه أنه لا يمكنه أن يواجهها (هكذا -على الأقل- يستنتج) فيستغلّ شخصيَّتها الطفوليَّة اللطيفة في إطعامها جرعةً من العسل (أو من مشروبٍ عسليّ) بغتةً وهو يتظاهر بمهاجمتها، يُعجبها وتطلب المزيد، فيستغلّ ريمورو طلبها ليصنع علاقةً طيِّبةً معها.

تتحاور ميليم مع ريمورو، تتعلَّق به، ثمّ تعلن أنها وريمورو باتا “الصديقان المفضَّلان لبعضهما” Besties. عزيزي القارئ، لا ريب أنك تذكر أنني قلتُ لك إنني أكتب مفترِضًا أنَّك تعرف الأحداث كلَّها وتابعتَ العمل، فلمَ أُتعب نفسي بالشرح؟

إنما أكتبُ الأحداثَ لنراجع معًا سلسلتها، ونرى انبناءها على الحتميَّة أو الاحتمال؛ تخيَّل أن يتحوَّل اهتمام ميليم بريمورو، وهي قد جاءت مصممةً أن تقاتله، وهي مع ذلك محبَّة للقتال= إلى تعلُّقٍ شديد، يصلُ إلى الاستماع لأوامره، وتخيَّل أن تكون اسمُ هذا التصرُّف العجيب منها، “الطريف” في أحسن أوصافه= “تحالفًا” بين مملكة، وميليم “السيِّدة الشيطانة”!

أليس هذا سُخفًا؟ هل إطعام العسل سببٌ كافٍ لمثلِ هذا؟ نعم، هو سخف، لكن -بملاحظة السياق الخاصّ- ستجدُ أن هذا العالم يسمح بوجود شخصية كميليم، طفوليَّة في لُطف شديد وحفاوةٍ شديدة بصديقها المفضّل (“الـbestie”)، في الوقت ذاته الذي هي فيه مقاتلة شديدة، ذائعة الصيت في العالم كله.

هكذا تستمرُّ الأحداث، في غير اضطراب ولا تكلُّف، منسجمة مع بعضها! لا أخفي أنني كنتُ في المخطَّطِ الأوَّلي فصلتُ بين “اللعب على الحدود” وبين “انسجام العالم وتبرير السخف”، غير أنَّنِي شرحتُ لك مرارًا أن هذا الفصل بين العناصر غير مُمكن واقعًا، وأنه فصل تحليليّ محض.

كلَّما أردت أن أتكلم عن عنصر من هذين، فاجأني ارتباطه الشديد بالآخر، المثال التي ذكرتُه في حالة شخصية “ميليم” عليه أمثلة كثيرة في الأنمي، واللافتُ في الأمر، أن “ثيمة” القصَّة كلِّها: قوَّة البطل الشديدة، لا تحتاج إلى شيءٍ لتفهمها في هذا السياق.

قوَّة ريمورو حقَّقت للعالم الكثير، بل بُنِيَت عليها القصَّة كلُّها، ولو تدرَّج المؤلف في صناعتها لكنا أمام عملٍ آخر ليس هو السلايم، تبديل هذه النُّقطة تعني نسف القصَّة من جذورها أصلًا، فهي أساس الأنمي، وحين تفكِّرُ فيها تبعًا للقصة التي تراها أمامك، تشعر بالانشراح والراحة النفسيَّة؛ الأمر بسيط ولا يحتاج إلى تفسيراتٍ مختلَّة، على الأقل في هذه المرحلة.

كيفية تقديم القصة في مرحلةٍ مُحدَّدة هو جزء منها، وإن عكس المؤلف بعض “المعلومات المؤسِّسة” للقصَّة لاحقًا. لم يبقَ إلا أن ترى كيف يعتاد ريمورو على قوَّته شيئًا فشيئًا، اعتمادًا على سياق شخصيته.

يجرُّنا هذا المحور إلى آخر يرتبط به ارتباطًا شديدًا أيضًا.

بناء الشخصيَّات والعلاقات: ريمورو الشخصيَّة الناضجة مِحوَرًا

أمامك أيضًا ثلاثة محاور كنت فصلتُها عن بعضِها في المُخطَّط الأولي ثمّ أدركت صعوبة الحديث عن كلٍّ منها منفرِدًا: بناء الشخصيَّات، وبناء شخصيَّة ريمورو تحديدًا، ثم بناء العلاقات. اخترتُ أن أتحدَّث عن ريمورو أوَّلًا، كونه مركز الشخصيَّات والعلاقات، ثمَّ أتحدَّث عن بقية الشخصيات وعلاقاتها.

الحقّ أنني لا أعرف كيف أصف إعجابي بهذه الشخصيَّة، فهي من الشخصيات المميزة على الصعيدين: صعيد الكاريزما والشخصية في حدِّ ذاتها، وصعيد بناء الشخصية وكتابتها، ذلك أن هذه الشخصية متماسكة جدًّا، ولعلّك تذكر مقالة “تجديد الحبكة”، فإن كنت تذكرها لن ترتاب أن ريمورو ممن يمثّل قوَّة الحبكة في جانب كتابة الشخصية وتماسكها أحسن تمثيل.

ميكامي ساتورو (ريمورو تيمبيست) راشد في الـ37 من عمره، بالغ ناضج يعمل في المقاولات، ليس شابًّا غرًّا ولا طفلًا صغيرًا، خلال انتقاله إلى العالم الآخر، حاز على قوَّة عظيمة هي قوة “الحكيم العظيم” Great Sage، وهو -إلى ذلك- مدمن على ألعاب الفيديو، وشديد الغوص في ثقافة الأنمي والمانجا.

هذا هو الأساس، أساس بسيط جدًّا، لكن التحدِّي هو تطبيق هذا الأساس في هذا العالم الجديد الساحر والغريب، هل نجح المؤلِّف في إبراز هذه الخصال دون إقحام سطور بلا سياق؟ أو هل نجح أصلًا في الحفاظ على نُضج ريمورو مع التحوُّل في شكله؟ كثيرًا ما يفشل الكتّاب الذين يختارون أشكالًا أصغر من عمر الشخصيَّة في التوفيق بين العمر والشكل.

في نظري، نجح المؤلف إلى درجة الإبهار في هذا الشأن، نعم، إلى حدٍّ أبهرني أنا شخصيًّا. مُنذ البداية، ستجد كيف يستغل ريمورو نضجه هذا في استكشاف العالم ومعلوماته شيئًا فشيئًا، كيف يتصرَّف بعقلانية وحذر ودون فزع، كيف يتخذ قراراته ويضمّ الآخرين له، ويبني مملكته.

بعد خروج ريمورو من الكهف، وخضوع الغوبلنز لحكمه، واجه الذئاب وقتل زعيمهم بلا تردد، ثمّ ضمّ الذئاب إلى مملكته وأعطى الخاضعين لحكمه جميعًا أسماء، وكذا وزّع بينهم الأدوار والمهامّ، ثم بدأ يستكشف المناطق المُحيطة حين استدعت احتياجاته في بناء منطقته هذا.

ستلاحظ في سلسلة الأحداث هذه أن كلَّ عناصر شخصية ريمورو ظهرت؛ إدارة الأمور بنجاح، واستغلال مجال عمله السابق، وخبرته في مجال الألعاب، إلى غير ذلك. حتى في الجانب الكوميديّ، تظهر خصاله هذه ظهورًا شديدًا، دون أن تشعر بإقحامها عبَثًا.

من الأمور التي عبَّرتُ عنها لأكثر من صديق، بداعة لعب العمل على نقاط قوته واستغلالها إلى أقصى حدٍّ ممكن، ومنها شخصيَّة ريمورو ونضجها وسياقها، ليس أمر “النضج والبلوغ” نظريًّا محضًا، فكما رأينا له تطبيقات، ومن تطبيقاته الرائعة أيضًا -ولعلَّها أروع التطبيقات لهذه الجزئيَّة- آخر الحلقات التي قضاها مع طلّابه الصغار (طلّاب شيزو).

تعامل ريمورو معهم تعامل يُشبه أن يكون تعامُلًا أبويًّا، كلُّنا يتذكَّر كيف كان حريصًا على أن لا يؤذيَهم من البداية، واستعماله ألطف الأسباب حتى في إرهابهم وإخافتهم، ثم لا تستمر هذه الإخافة سوى مدّة قصيرة، ليكسب بعدها احترامهم بأجمل الصور وأنضجها.

في رحلة إنقاذِ الأطفال من موتهم المحتوم لكونهم “مُستدعَيْن” Summons سنجد جانبًا آخر رائعًا جدًّا، لم أملك أن أبتسم حين رأيته:

هنا نجد “آليس”، طالبة صغيرة لطيفة، تُقبّل ريمورو وهي في أحضانه، بشكل سلِس تمامًا، يتلقى ريمورو قبلة الطفلة ويشكرها عليها. لقطة أشبه ما تكون بالأبويَّة، تراها كثيرًا في اجتماعات العائلة حين يأتي الطفل لأقربائه الكبار، طبيعية مرَّتْ دون إقحام ولا تكلُّف، أظهرت لك هذا الجانب.

وجدنا هذا أيضًا في هذا المشهد أيضًا:

“كلوي” طفلة متعلِّقة أكثر بريمورو، نصادف شخصيّات مثلها كثيرًا، تشعر بارتباط أكثر مع الشخص ويعتريها شعور الخجل، تقول لأستاذها إنها تحبِّه ويردّ عليها هذا الردّ الذي ستقوله لأي طفل يقول لك هذه الكلمة: “أحبّك أيضًا”، لقطة أخرى تمرّ بسلاسة شديدة، وتشعر بالرَّاحة حين تراها.

يقودنا هذا إلى الحديث في موضوع بناء الشخصيَّات عمومًا، والعلاقات، سأبدأ بالأوَّل ثمّ أبيّن ارتباطه بالثاني. بناء الشخصيَّات في الأنمي نقطة لافتة، كلّ شخصية تنال قدرًا من الاهتمام مناسبًا لها ولدورها في القصة ومكانتها.

ولنختَر لبيان هذه النقطة العلاقات بين الشخصيَّات، لتكون العلاقات ناجحةً فنيًّا بين الشخصيات يستدعي ذلك كتابةً تتناسب مع الارتباط -الذي تنتظره من المُشاهد- مع الشخصية والاهتمام بها، ثمّ كتابةً تتناسب مع طبيعة العلاقة التي تنشأ بين هذه الشخصيات. هاتان النقطتان تغطِّيَان الموضوعين، لذلك من المناسب اتخاذ العلاقات مثالًا لموضوع الكتابة والبناء.

نضيِّق الدائرة أكثر: شخصيَّة “شيزو”، أوَّل ظهورٍ لها كان في نبوءة في “دوراغون” Armed Nation of Dwargon، ظهرت داخل الزجاجة بوصفها “الفتاة التي قُدِّرَ لريمورو أن يكون معها”. الانطباع الأوَّل من النبوءة رومانسيّ تمامًا، وكما يتوقّع المشاهد: يتسرّب هذا الانطباع دون مشكلة، وبشكل انسيابيّ، دون تكلُّف ولا استعراض.

تمضي الحلقات اللاحقة في تقديم شخصيَّة شيزو بذكاء؛ تظهر أوَّلًا مع مجموعة المغامِرين الثلاثة المكلَّفين باستقصاء أمر ريمورو ومنطقة سيطرته الناشئة، فتطلب منهم أن تصحبهم، تظهر شخصية شيزو مع الحلقات، ونعرف عن أمر ماضيها بالتدريج.

في الختام، ينظر ريمورو إلى شيزو بعد أن وَهَنتْ قوَّتُها، وطلبت منه أن يبتلعها بقدرته، وأوصته، القدر الذي حققه العمل من البناء لهذه الشخصية، بهذا التدريج السلس، سمح بالتأثر في مشهد موتها، دون أن يطلب منك تفاعلًا كثيفًا بسياق درامي متشعِّب.

الأمر بسيط: قدَّم المؤلِّف لك بناءً يتناسب مع الارتباط بالشخصية والتأثر لما يحصل لها، كما أنّ موتها أدَّى تأثيرَه على ريمورو دون مبالغة، وصار جزءًا من شخصيَّته، قاده لاحِقًا إلى التفاعل مع طلَّابِها، وهذا الحب المتبادل الذي رأينا طرفًا منه.

في أول عشر ثوانٍ الافتتاحية الثانية، تظهر لقطة في كلّ مرة أراها ينقبض قلبي، ووجدتُ لاحقًا أنّني لستُ الوحيد الذي يشعر بهذا، بل صادفت تعليقات كثيرة تشير إلى الشيء نفسه. قصَّة شيزو كانت مؤثرة، وتُثبت أنك لتؤثِّر في المتلقّي، لا يتطلَّبُ الأمر مبالغةً دراميَّة. قادني هذا الإعجاب الشديد إلى اقتطاع صورة متحرِّكة من الافتتاحية:

المطلوب هو البناء السليم، أيًّا كان حجم الحَدَث. هذا ما لا يفهمه مؤلِّفون كثر، فيقعون في التفكك الدرامي ومحاولة تحميل الحدث السابق حدثًا لاحِقًا لا ينسجم معه، ومن ثَمَّ يتحوَّل الأمر إلى مضيعة وقت.

ليس مثال شيزو المثال الوحيد على جودة بناء الشخصيَّات وكتابتها، ولا علاقتها مع ريمورو هي المثال الوحيد على جودة كتابة العلاقات. الحدَث الذي قادت له هذه العلاقة؛ أعني لقاء ريمورو بطلبة شيزو، كان شيئًا من هذا أيضًا.

لم يحتَجِ الأمر سوى أحداث قليلة، بدأت بلقاء ريمورو معهم ونيله لاحترامهم بعد عدوانيتهم معه، وانتهت بإنقاذهم من مصير الموت، وما تخلَّلَ ذلك من متابعتهم له= لتحوز العلاقة على المقبوليَّة، هذا لسببٍ بديهي -كما ذكرنا- هو أن المؤلِّف لا يطلب منك تعلُّقًا ومشاعرَ أكثر مما بنى، وبعبارة أخرى: لا تحتوي الأحداث المؤثرة على ما يفقدها انسجامها مع الأحداث التي قادت إليها.

لكلِّ واحدٍ من الأطفال شخصيته الخاصة، التي تظهر مع الوقت خلال تعاملهم مع بعضهم ومع ريمورو، كلُّ واحدٍ يعطي انطباعًا خاصًّا به، ثمّ يتشكّل تأثُّر كلٍّ منهم مع فراق ريمورو حسب شخصيَّته، التي -هي أيضًا- شكَّلَت طبيعة علاقته مع أستاذه.

كلّنا كان قادرًا على الإحساس بهذا اللطف، والرقّة، والجمال البسيط، في علاقة ريمورو مع طلَّابه، والتي مثَّلنا لطرف منها أعلاه، نظرًا لهذا البناء المتناسب مع حجم الحدث اللاحق، وكلُّنا أيضًا كان قادرًا على التأثر بفراق ريمورو لطلَّابه.

أخيرًا..

أحبُّ أن أعيد التأكيد على وحدة العمل الفنيّ، كل ما حاولت فعله في هذه المقالة هي محاولة تحليل هذه الوحدة، وقد رأيتَ كيف أجبرتني الوحدة -أحيانًا- على دمج المواضيع معًا، وأرى هذه رياضةً جيِّدة للعقل للاعتياد على ربط المواضيع ببعضها.

حتى فيما تمكنت من فصله لأغراض تحليليَّة، لا بُدّ أن يُلحظ فيه ارتباطه الشديد مع غيره، هذه الوحدة مهمّة جدًّا لهذا التذوُّق التحليلي. كم استمتعت وأنا، حلقةً بعد حلقة، ألاحظ هذا الجمال الشديد في الأنمي؛ تدرُّج، دون إقحام، دراما خفيفة بلا مبالغة، أحداث ممتعة باستمرار، خفَّة شديدة في التلقِّي.

شعرت بأنني أحببت هذا العمل كثيرًا، وكذلك أحببت البطل كثيرًا (وقد دخل مفضَّلة الـMAL! أمرٌ لم أكن أتوقَّعه أبدًا!) وأحببت أن أرى هذا التناسق واللطف والجمال، راحة للعين والقلب، متعة دون منغِّصات.

عمل يشرح الصَّدر، ويستحقُّ الوقت والجهد في الكتابة عنه والتعبير عن الإعجاب به.

2 تعليقان

  1. تحليل مميز استمتعت بسردك الرائع له لعمل ممتع وفعلا كل الجوانب التي ذكرتها صحيحة
    اتمنى لو اقرأ مقالات مشابهة لها منك لاعمال ايسيكاي اخرى او اعمال من تصنيفات مختلفة مثلا قراءة تحليل لك لانمي هونزوكي

  2. حقيقة يا أرسنالي كنت أرغب في مناقشتك بعدة نقاط، ذكرتها لكن تذكرت إنها مراجع شخصية وإبداء إعجابك في العمل، ما حسيت إنه مناسب أن أدخل بأسلوب اشبه بتهجم وتقليل من آراءك، فأعتذر على ذلك.
    ثانيا:- هنئيًا استمتاعك بالعمل. من الأمور المبهجة إن الشخص يجد ذلك العمل الذي يستمتع به، وفي النهاية هذه الغاية من مشاهدة تلك الانميات بكل تأكيد.

اترك ردّاً