السلسلة النقديَّة – (7) تأسيس العمق القصصيّ

أهلًا بكم، قد مرَّ زمنٌ منذ طلب مِنِّي بعضُ الأصدقاء، في سياق جدالِه معي، أن أحدِّدَ مفهومي للفظ “العمق” الذي أستعمله في وصف الأعمال الفنيَّة، وما ينبني عليه أيضًا من عَيْبِي بعضَ الأعمال أنها أعمال “تتصنَّعُ العُمق” (أو كما أحبّ أن أقول: “تَتَعيْمَق”) فحدَّدتُه له وعرَّفتُه، ثُمَّ طلب منِّي هذا الصديق العزيز أن أشرحَ هذا التعريف، إذ ليس هو مفهومًا أصلًا (انظُر إلى مقدار عيِّي، عزيزي القارئ!)

وقد رفضتُ شرحه في البداية، لأنّ أمر شرحه يطول، إذ إنَّنِي ما دمتُ سأشرحه فإني مضطّرٌ لتأصيله، بتفصيلِ ما بُنِيَ عليه هذا التعريف، فلمَّا ألحَّ عليّ، قلتُ: لعلِّي أفعل. ومضت الأيام وأنا ناسٍ تارةً، متناسٍ تارةً أخرى، حتى يسَّرَ الله البدء في هذه السِّلسلة، فنويَتُ العودة إلى هذا الموضوع، راجيًا أن يكون في هذه العودة ما يُشبع نهم هذا الصَّديق، مع نهمك عزيزي القارئ.

لعلَّك لاحظتَ -وأنتَ الفَطِن المتوقِّد، عزيزي القارئ- أنَّنِي تجنَّبت ذِكرَ هذا التَّعريف، ذلك لأنَّنِي أنوي قبل ذِكرِه التهيئة له والتأصِيل، من جهة لغويَّة.

العمق لغةً

جاء في “لسانِ العرب“: “العُمْق والعَمْق: البعد إِلى أَسفل… ورُجُلٌ عُمقِيُّ الكلام: لِكلَامِهِ غَوْر… وعَمَّق النظر في الأُمور تَعْمِيقاً وتَعَمَّق في كلامه أَي تَنَطَّع. وتَعَمَّقَ في الأمْرِ: تَنَوَّق فِيه، فهو مُتعمِّق… المتعمِّقُ: المُبالِغُ في الأمْرِ، المتشدِّدُ فيه، الذي يطلبُ أقصى غايته.

قلتُ: وتنطَّع: أي تشدَّد، وتنوَّق فيه: بالَغَ في تجوِيدِه. لاحِظْ معي، عزيزي القارئ، أنَّ الأصل الذي اشتُقَّتْ مِنه كلُّ هذه المعاني الاستعماليَّة يدور حول معنى ماديّ هو دلالة اللفظ على البُعد إلى أسفل، ومعلومٌ أن الجهات مفاهيم اعتبارية نسبية؛ أي: تُفهَم بالنَّظَرِ إلى غيرِها، فالأسفل يُفهم بالنسبة إلى الأعلى، فاحفظ هذا ولا تنسَهْ، فإننا سنعود إليه لاحِقًا.

سنتركُ ابن منظور (المتوفى 711 هـ) وسنتقدَّم بالزَّمَن لنقِفَ على مزيدٍ من الدلالات الاستعماليَّة لهذا اللفظ بعد أن عرفنا أصلَه في الوضع اللغويّ، لنجدَ في المعاجم الحديثة سياقاتٍ استعماليَّة أقرب لموضوعنا.

في “مُعجَمِ الغنيّ“: “عَمَّقَ النَّظَرَ فِي مَوْضُوعِهِ: أَطَالَ فِيهِ النَّظَرَ بِرَوِيَّةٍ. [مثال:] وَجَدْتُهُ كَاتِباً بَارِعاً يُعَمِّقُ آرَاءهُ وَيُفِيدُ قَارِئَهُ.” وفيه أيضًا: “عَمُقَتِ الْفِكْرَةُ: بَلَغَتْ أَقْصَى كُنْهِهَا.” ومثلُ هذا الأخير في “المعجم الوسيط” أيضًا.

وفيه (أي “الوسيط“) أيضًا: “عَمَّقَ الشيءَ: جعله عميقًا. يقال: عَمَّقَ البئرَ، وعَمَّقَ الرأيَ. تَعَمَّقَ في الأمر: دقَّقه واستقصاه. يقال: تعمَّق في البحث أَو الرأي.

وللصياغاتِ الصرفيَّة دلالات بحسبِ كلِّ واحدٍ منها، فـ”عمُقَ” فعلٌ لازم، في حين “عمَّقَ” على وزن “فعَّل” للتعدية إلى مفعول، تقول: عمُقَ الشيءُ (كـ”عمُقَت الفكرة” في المثال)، وتقول: عَمَّقَ فُلانٌ الشيءَ (كـ”عمَّق الرأيَ)، وبعدُ: ستجِدُ أنَّ السياقات التي استُعمِلَ فيها العمق معنويًّا كلها ترجع إلى أصلٍ واحد: هو أصل البُعد إلى أسفَل.

وستجِدُ الأمثِلَة الآنفة من “الغنيّ” و”الوسيط” تذكُرَ استعمالات هذا المصطلح في الأفكار والآراء، لتعطيَ دلالة التمحيص والاستقصاء والتدقيق، وبلوغ الجهد غايتَه في البحث، ويُستخلصُ منها معنى النفاذ إلى حقائق الأمور وتحليلِها وتفسيرها ومعالجتِها معالجةً تأخذ أطرافَها جميعًا بعين الاعتبار.

العمق القصصيّ: اجتهاد ومقاربة

تَصِلُ النَّوبةُ بعد أن ذكرنا المعنى اللغويّ لهذا اللفظ، إلى اصطلاحٍ يُبنى عليه لاستعماله في سياقات النَّقد الفنّي، وتحديدًا: نقد الأعمال القصصيَّة (سيضيقُ الأمرُ أكثر حين نتَّخِذُ أمثِلةً من الأنمي لتطبيق هذا المفهوم).

لا بُدَّ أن تعيَ -عزيزي القارئ- أن الوصفَ مُقيِّدٌ للموصوف في أحد أغراضه؛ “يفيد تخصيص متبوعه أو توضيحه أو مدحه أو ذمّه أو تأكيده أو التّرحّم عليه” كما في “شذور الذَّهَب” لابن هشامٍ النحويّ، و”متبوعه” أي الموصوف. ومعنى هذا الكلام أنَّ الصِّفَةَ تُعطي للموصوف خصوصيَّة مفهوميَّة إذا اقترنت به لهذا الغرض. وهذا شأنُ قولنا “القصصي” التي هي وصفٌ للعُمق، أعني تخصيصه بحالة العمل الفنيّ القصصيّ؛ أي المحتوي على قصَّة كما أسلفنا.

فإن أردنا أن نصطِلَحَ على لفظٍ ليدلَّ على دلالةٍ مُحدَّدة، وجبَ علينا -إن اقترنَ اللفظ بصفة- أن نُخصِّصَ المفهوم العام بما يتوافق مع هذه الصفة، وهذا يُجيبُ عن سؤالك المحتمَل: لمَ تغيَّر التعريف حين ارتبط بالقصّة؟ وإنِّي إذ أعرفُ مقدار نباهتك وذكائك، عزيزي القارئ، أُبادِرُ بإجابتك على سؤالك، كما أوطِّئ لغَرَضِي

ولا بدّ أن أقول أيضًا: إنَّنِي إنَّما أقدِّمُ في هذا التعريف مقاربتي من خلال النَّظَرِ في اللغة والفنّ، فلا يبعدُ أن يعتري تعريفي بعض النقص، وحَسْبِي المحاولة، ولا أطيل عليك فأذكر لك الآن تعريفي الذي ذكرتُه لصاحبي -آنفِ الذِّكر- إذ قلتُ:

“العمق: هو المُعالجة النَّاضجة للمِحوَر أو المحاور”

وأشرعُ في بيانِ ألفاظ التعريف: (العمقُ) أي في السياق القصصيّ (هو المُعالجَةُ) أي التناولُ والتقديمُ، لا بمعنى المعالجة الطبيَّة التي تهدف إلى تحقيق الشفاء (النَّاضِجَة) أي المحتوية على التَّحلِيل والبناء الرَّصين، وتقديم صُورةٍ مشتملةٍ على تجسيدِ جوانب الموضوع وإيضاحِها إيضاحًا يتضمَّنُ ردَّها إلى عِلَلِها وأسبابِها، أو يُشير إلى ذلك (للمحور أو المحاور) أي لمِحوَر من محاور العمل، أو أكثر.

ويشمَلُ “السياق القصصيّ” أيَّ شيءٍ بداخل العمل الفنيّ القصصيّ، مِن فكرةٍ في بنية العمل، أو شخصيَّة، أو غير ذلك، بشرطِ أن يكون مُناسِبًا لسياق العمل لا مُفتَعَلًا مُقحَمًا، فإن كان مفتَعَلًا مُقحمًا انتفت عنه صفة “النضج” و”المعالجة” ويكون ما أسميناه “تَصنُّع العُمق“، ونعني بأن يكون مناسبًا: أن يَحْتَمِلَه العمل بحيث يُبنى بصورة تقبل استيعابه.

ولا نَعني باحتواء المعالجة على ما ذكرنا، أن يكون العمل الفنيّ عملًا شارِحًا كالكتاب، بل أن يحتوي على ما يقبل المذكور، وبعبارةٍ أخرى: أن يبذل المؤلِّف هذا الجهد في صناعته، ليكون قابلًا لتلقِّيه بهذا الشكل. ويُقابل العمق: السطحيَّة، ومعناها واضح بوضوح معنى العمق، والسطحيَّة والعمق مفهومان اعتباريَّان، على الوجه ذاتِه الذي قدَّمتُه لك في شأن الأسفل والأعلى.

وإن اتَّضَحَ المفهوم، واتَّفقنا عليه، بات الكلامُ كلُّه في التشخيص والتطبيق، وتقييم الحالات الفرديَّة، مع ضرورة التنبيه مرَّةً أخرى إلى مراعاةِ سياق كلِّ صنفٍ وكلِّ عمل، وانتقاده على أساسِ ذلك، فلا يصحّ مثلًا نقدُ عملٍ كوميديٍّ بحت، لم يقدِّم نفسه على أنه عميق أصلًا ولم يبتغِ ذلك= بأنَّه ليس فيه عمق، إذ لا يتناسب هذا مع سياق قصَّته، وعلى هذا فَقِسْ.

هل العُمقُ معيارٌ عامٌّ مُحدِّدٌ للجودة؟

هذا سؤال شائك، قلتُ في مقالتي السابقة “تطبيق الحبكة” إن لأعمالِ الشونين، في الأعمِّ الأغلب، حدودًا فنيَّةً (مِن جهة الجودة) لا يتجاوزُها نظرًا لاعتماده على عناصرَ محدَّدةٍ مع توجيه العمل إلى فئة عمريَّة محدَّدة، فإن كان لكلِّ عملٍ سياقه الخاص كما قرَّرنا، وكَذا لكلِّ صنفٍ سياقه، فأيُّ شيءٍ تقوم عليه فرضيَّة كون العمق يمثِّلُ جودةً أعلى؟

لا يسعُنا أن نُجيب إلا بافتراض معايير عامَّة، وقد قلنا سابِقًا: إن المعايير العامَّةَ مُستلَّةٌ أصلًا من الفنِّ نفسه، لا مفروضة عليه من خارجه، فالمعايير العامة إنما كانت عامَّةً لأنها صفات تشترك فيها -بصورة متفاوتة- كلُّ الأعمال، كما رأينا في مقالات “مدخل إلى الحبكة”.

فإن ثبت وجود معايير عامَّة (وقد أثبتنا ذلك في أوَّل مقالة) فهل العمق معيار عامّ؟

أعتقد أن سؤالًا مثلَ هذا لو طُرح على النَّاس، ستتعدَّدُ إجابته، وسأحاول أن أقدِّمَ أكثر من إجابةٍ حسب قراءتي لاختلاف وجهات النظر عند النَّاس عمومًا، وما يُمكن أن يجيبوا به.

فلنأخذ الإجابة الأولى: العمقُ معيار عامٌّ من جِهة، وخاصٌّ من جهة أخرى. عامٌّ: للأعمال التي تحتوي على معالجات لموضوعات محدَّدة يُمكن المفاضلة بينها على أساس وجود العُمقِ فيها، خلافًا للأعمال التي تبتعد عن هذا تمامًا (ككثيرٍ من الأعمال الكوميديَّة، أو بعض الأعمال التي تندرج تحت “شريحة من الحياة” Slice of Life)= وخاصٌّ: بهذه الأعمال -الحاوية لمعالجاتٍ- دون غيرِها.

وأعمال الشونين، في كثيرٍ منها، تتناوَلُ مواضيع تطوُّر الشخصيَّات والخير والشرّ وما إلى ذلك، بطريقة سطحيَّة (وهذه السطحية تتفاوت)، وهذا مُناسِبٌ تمامًا لسياقها ما دامت لم تُحاول (كبعض أعمال الشونين) أن تظهر بغير مظهرها هذا، فتتصنَّع العمق، دون سياق ولا نضج يهيِّئ لها ذلك.

وإن لم تُعالج المحاور، أو تَنَازَعْنا في أنها عالجتها أو لا، يُمكن القول: إنّ كثيرًا من بيئاتها وأفكارِها، يُمكن أن تُتَناوَل بمعالجاتٍ ناضجة، وهذا كافٍ لنفرِضَ عليها معيار الجودة، دون أن نطالبَها بتطبيقه، غايةُ ما في الأمر أنَّا نعتبرها أعمالًا أدنى نَظَرًا لهذا.

ومِن ثَمَّ يُمكن أن نقول: إن الأعمال العميقة مستوى أرقى من هذه الأعمال، دون أن يستلزم هذا انتقادَ هذه الأعمال على عدمِ تعمُّقِها، فإن أفضليَّة عملٍ على آخر، أو نمطٍ محدَّدٍ على آخر، لا يستلزم انتقاد هذه الأعمال على عدم وجود جانب التفوُّقِ هذا فيها.

وهذه الأفضليَّة المُطلقة للأعمال العميقة على الأعمال الأخرى، يُسنِدُها الرقيّ الفنيّ، إذ فيها صفاتٌ إيجابيَّة إضافيَّة على بقيَّة الأعمال، ما دمنا قرَّرنا وجود معايير مسبقة، وأن الأمر ليس برمَّتِه راجِعًا إلى آحاد الأعمال، والذوق.

هل هذا جوابٌ مقنع؟ ليس تمامًا، لأن الأعمال التي ليس فيها معالجات أيضًا يَصدُقُ عليها أنها “ليست عميقة” ومن ثَمَّ، إن كان العُمق صفة مُطلَقةً تُحدِّدُ أفضليَّة العمل من عدمِها، فلا أثر لإمكانية وجوده في العمل من عدمه، يكفي أنها موجودةٌ فيه أو لا، لنحدِّدَ مكانَه على سُلَّم الرقيّ الفنيّ، وهذه هي الإجابة الثانية.

هل هي مقنعة؟ أليس هذا فرضًا لما لم يلتزم به العملُ عليه؟

تجدر الإشارة هنا إلى أنني لا أعني بـ”الأعمال العميقة” أعمال السينين، كما قد يتبادر إلى الأذهان، بل أعني أي عملٍ يتَّصِفُ بهذه الصِّفة أيًّا كان صنفه، فبعض أعمال الشونين تحمل هذه الصِّفة في نظري أيضًا، وإن كانت قليلة. هذا مجرَّدُ توضيحٍ للمصطلحات، بصرفِ النَّظَر عن موقفي وإجابتي.

قد تُطرح -بناءً على هذه الأسئلة- إجابةٌ ثالثة: هي إجابة الصديق العزيز ماهر الريّس في مقالته القيِّمة التي أنصحُ بقراءَتِها (“عميق” و”فلسفي” مشكلتي مع الكلماتِ الخاوية) إذ يقول: “مُلاحظتي للكثيرين ممّن يستخدمون هاتين الكلمتين كمعيار لجودة عمل فنّي معيّن.

وكَذا يقول في المقالةِ ذاتِها: “كميّة “عمق” أو “تعقيد” أو “فلسفة” عمل ما ليس له أيّة علاقة بجودته. توجد العديد من الأعمال المُبسّطة الكوميديّة والّتي لا يمكنك وصفها بأي من الصّفات السابقة، لكنّها لا تزال ممتازة. عندما تربط كلمة مثل “عمق” بمعيار جودة فانت تفترض أنّ عدم وجود الـ “عمق” فيه يُزيل الجودة منه وهذه المشكلة هنا. العمق والفلسفة هي تصنيفات وليست معايير!

قد تسألني، عزيزي القارئ: ماذا عنْكَ؟ ما هي إجابتُك؟

ثمَّة حدٌّ مؤكَّد، أوَّلًا: الأعمال التي قُدِّمت في سياقٍ يتطلَّبُ منها العمق، أو وضعت نفسها هذا الموضع، ثمَّ لم توفِ به عدَمًا أو تقصيرًا، يُعدّ في حقِّها معيارًا تُنتقَدُ عليه، وكذا يُقارن بين الأعمال التي وُضعت في سياقٍ يتطلَّبُه، من حيث وفاؤها به. ومِن ثَمّ: فالقدْر المؤكَّد، أن العُمقَ معيارٌ عام على الأعمال التي تتَّصِفُ بهذه الصِّفة.

وأعيدُ الإشارة هنا إلى شأن الإقحام والافتعال وتصنُّع العمق المذكور سابقًا، فهو ليس عُمقًا، والعمل الذي يقع في مثلِ هذا يستحقّ الانتقاد على الافتعال، وعلى عدم مراعاته للسياق الذي اصطنعه لنفسِه.

ولعلَّ من المُفيد هنا أن نُشير مُجدَّدًا إلى شأن الحبكة، وميزانها: قانون الحتميَّة أو الاحتمال، فالعمل كما قلنا مِرارًا كتلةٌ واحدة، وبوسعك أنْ ترى أنَّ انبناء الأحداث (بالمعنى الشامل الذي ذكرناه في آخر مقالَيْن) على بعضِها يشملُ جانب العمق هذا، وأنَّ الافتعال يخالف ميزان الحبكة.

وهذا يُعيدنا مُجدَّدًا إلى التأكيد على وحدة العمل الفنيّ، وأن تجزئته لأغراض تحليليَّة بحتة، وأنت ترى أن هذه الوحدة ليست بمعنى تأثير جوانب العمل الفنيّ في بعضِها فحسب، بل في تداخلها معًا.

ثانيًا: لا بُدَّ من مراعاة السياقات الخاصَّة كما فصَّلنا في المقالات الماضية، فإن افترضنا العمقَ معيارًا عامًّا: فإنه لا بُد من ملاحظة السياق الخاص لكلِّ عمل، ومدى احتماله، وإمكان محاسبته وفقًا لهذا المعيار، قبل أن نُقيِّمَ مستوى العمل فيه.

أمَّا دون ذلك، فأنا شاكٌّ فيه، وأميل لعدِّه تصنيفًا ونوعًا لا مقياسًا في كلِّ الحالات لتحديد الجودة. ويُمكن في كلِّ الأحوال مقارنةُ الأعمال حسب ما بلغه كلٌّ منها في سياقِه الخاصّ، دون محاكمة بعضِها إلى أمور لم يلتزم بها.

سأتناوَلُ في المقال القادم بإذن الله الجانب التطبيقيّ من العمق.

مُلحَق: هل “العمق” كلمةٌ خاوية؟

(تنبيه: قد أصحح في النقل أخطاءً لغوية دون الإشارة)

قدَّمنا في المقال إجابة ماهر، على أنَّها إجابة ثالثة، وهذا يُلزمنا بالتوقُّفِ عند مقاله، الذي تناوَلَ فيه مصطلحَيْ “عميق” و”فلسفي” في وصف الأعمال الفنيَّة، حسب استعمالها داخل مجتمع متابعي الأنمي. وعنوان المقال كما ترون (“عميق” و”فلسفي” مشكلتي مع الكلمات الخاوية) فبدأ مقاله في العنوان بقوله إنها كلماتٌ خاوية.

ويعني بخاوية، عدم وضوح معناها في سياقات استعمالها في هذا المجتمع تحديدًا، إذ يقول في بداية المقالة إن مشكلته مع كلماتٍ كهذه “استخدامها في سياق نقاشي بدون توضيح معناها الرّئيس“، وهو مُصيبٌ في هذا، أعني تحديدًا في نقدِ انعدام الدلالة الاستعمالية أو بقائها غائمةً.

لكنّ انتقادي للمقال في كيفيَّة معالجةِ ماهر لهذه المشكلة، إذ يعودُ لتعريفِها ليحلّ هذه المشكلة فيقول، بعد أن يذكر أن كثيرًا من استعمالات هذه الكلمة تعود إلى الإحساس بكون العمل معقَّدًا: “عند البحث عن كلمة Depth في معجم أجنبي ستجد المعنى التّالي: “The complexity of a Thought”. وسنعود إلى المشكلة ذاتها تقريباً، فلا يوجد معيار واضح يحدد درجة تعقيد الأفكار.

وهذه مُشكلة في التأصيل، علينا أن نعيَ أوَّلًا أن اللغة تعتمد على السياقات الاستعماليَّة لا على مجرَّدِ الأصل اللغوي، إلى حدِّ أن كثيرًا من الألفاظِ أصلًا لا نصلُ إلى معنى محدَّدٍ لها في أصلها، بل نستخلص من مجموع السياقات الاستعماليَّة معنى إجماليًّا.

فحين نلجأ إلى لغةٍ أخرى للتأصيل، تتعقَّدُ المشكلة أكثر، ثمّ حين نقتصر على تعريف تقييديّ لها (إذ إن “تعقيد الفكرة” ليست تعريفًا لـdepth في أصل اللغة، بل هي سياق استعماليّ خاص) تشتدُّ المشكلة أكثر، وهذا انتقادي لمحاولة ماهر في حل المشكلة، وقد بنى عليها: أن المشكلة لن تُحلّ بالعودة إلى التعريف اللغويّ، كما ترى.

ولا ريب أنَّ الاستنتاج المتضمِّن لمقدِّمة باطلةٍ باطلٌ، فالنتيجة: “عدنا إلى المشكلة ذاتِها” خطأ، لأن كيفيَّة تناول الموضوع غير سليمة، وكان ينبغي -في مثلِ هذا- العودة إلى المعنى في أصلِ اللغة (وفي حالتنا: العربيَّة) ورؤية سياقات استعمالاتِ الناطقين بها له، ثُمّ رؤية ما يترتَّبُ على تقييده بوصفٍ محدَّد، ثُمّ إن شئت يُمكن مقارنته بمقابلاته في لغةٍ أخرى.

هذا فضلًا عن مشكلة تجاوز المعنى الأصليّ حتى في اللغة الإنجليزية، والاقتصار على سياق محدَّد، وعلى تعريفٍ واحد، من مُعجَمٍ واحد، ثمَّ هو مع ذلك يتعلَّقُ بالأفكار دون الفنّ والأدب، وستجدُ تعريفاتٍ عديدة للعمق في هذين السياقين.

ثمَّ يقول ماهر: “وحتّى إن افترضنا أن كثافة المعلومات وصعوبة فهمها هي الحد ألا يعني هذا أنّ صفحات ويكيبيديا هي الشيء الأكثر عُمقاً على الإطلاق؟. لكنّ هذا يبدو لي مُخالفاً لطريقة استخدام الكلمة العام.

نعم، هو مخالفٌ تمامًا لطريقة استخدام الكلمة العام، لكنه مخالفٌ أيضًا -فيما يظهر لي- للتعريف المقصود نفسِه؛ إذ ليس المُرادُ مِن “تعقيد الفكرة” Complexity of a thought بل المُراد مدى تشعُّب الفكرة وتعدّد جوانبها، لا كثافة مجموع الأفكار والمعلومات وصعوبة فهمها.

ينتقلُ ماهر بعد هذا ليُشكِلَ على التعريفات المُتعدِّدة التي تلقَّاها من مجتمع الأنمي حين طلب تعريفاتٍ محدَّدة (وإشكالاته في محلِّها)، والمقالُ في أصلِه خاصٌّ بسياق مجتمع الأنمي، وهو في هذا سليم، غير أن مشكلتي هي الأسلوب النظري النَّقدي الذي توصَّل به ماهر إلى أن البديل غيرُ متوفِّر حتى مع العودة إلى المعنى اللغويّ.

وهكذا يصل ماهر إلى النتيجة الآتيَة: “لا يوجد معنى مُتّفق عليه يمكنني استخدامه عند مناقشة شخص آخر. كذلك لا يمكننا تناسي أنّ الكلمة تحوّلت في الآونة الأخيرة إلى كلمة طنّانة Buzzword يتم استخدامها كطريقة بسيطة للقول إنّ العمل ذو شأن عالي ويجب دراسة أفكاره مع الهرب من مُحاولة تفسير هذا ووضع النّقاط على الحُروف.

صحيح، فما هو البديل؟ يقول ماهر: “ما يدعم نقطتي هنا هو وجود كلمات أخرى من الممكن أن تعتبر بديلًا لهذه الكلمة وقد ذكرتها مع الأمثلة في الأعلى. حتّى إذا ما كنت تعني “تعقيد فكرة معيّنة” فيمكنك قول هذا ببساطة بدل استخدام كلمة “عميق”.

وُجودُ كلماتٍ بديلة عن استعمال خطأ للفظٍ ما، لا يعني صرف النَّظَرِ عنه، بل يعني الفصل بين المصطلحات بكيفيَّة مفهومة تُحدِّدُ لكلِّ واحدٍ منها دلالته، حين أقول إن العملَ معقَّد، فلا بُدَّ أن يعني هذا شيئًا، وكَذا حين أقول إن العملَ عميق.

لا يُمكننا أن نعالج موضوع استعمال خطأ، باستعمال كلماتٍ أخرى محل هذا الاستعمال فقط، بل علينا أن نوضح أين الخطأ، وكيف نفصلُ بين المعنى الذي أخطأنا استعمال الكلمة لنوصله، وبين المعنى الذي تدلّ عليه هذه الكلمة التي استُعملت خطأ.
ولا يكونُ هذا إلا بالعودةِ إلى الوضع اللغويّ، وسياقات استعمال الناطقين باللغة للكلمة، ورسم إطار اصطلاحيّ -وفقًا لهذه الجهة اللغويّة- في سياق الفنّ الذي نودّ الكلام عنه.

بقيَّة المقال متعلِّقة بالكلمة الأخرى، وبانتقاد اعتماد وصفَيْ “عميق” و”فلسفيّ” معايير لا أصناف، وقد علَّقنا على هذا سابقًا، والمقال مُفيدٌ جدًّا، ونَقْدُ استعمال هذه الكلمة ورميِها بلا محصل من ورائها سليمٌ تمامًا، غير أن المشكلة في معالجة هذا الإشكال وعدم تماميَّة النقد.

7 تعليقات

  1. قرأت مقالة ماهر، و على ما يبدو لي انه لا يرى ان كلمة عمق كلمة خاوية بالضرورة (في النقاشات) انما النقاش في وجود العمق من عدمه غير ممكن لان العمق نتيجة ولا ندري كيف حصلت تلك النتيجة( هذا االي حسيت يبي يقوله) احد المعاني الغوية التي طرحتها( النفاذ إلى حقائق الأمور ) تقدم كيفية ، احدهم قدم معنى مشابه حيث قال ( لما يكون في طبقة تحت الطبقة السطحيّة الغبية بتناقش فيه شيء مهم) و العجيب ان ماهر رفضه!
    عموما كلمة عمق كلمة واسعة الدلالة ولا ينبغي حكرها بتعريف معين. الشباب الللي عرفوا العمق في مقالة ماهر كلهم حسيتهم يبون يعبرون عن معنى يختلجهم تجاه العمق لكن مش قادرين يصيدونه فبتالي تعريفاتهم تقريبية وليست حدية بمعنى ما يصلح تنتقد المعنى الحرفي لها… انت(عزيزي الكاتب) موقفك غريب تأيد ماهر في ان كلمة عمق خاوية في اطار استعمال مجتمع الانمي لها ثم تقول ان معنى الكلمة يجب ان يستخلص من سياقها؛طيب مجتمع الانمي الا يستخدمها ضمن سياق ؟ بلى اذا لها معنى محدد! ….. وكون الكلمة واسعة الدلالة لا يعني انها خاوية انما وصف غير دقيق، بعضهم يستخدمها بمعنى البلاغة، او للاسهاب في التفصيل، او لكثرة التفاصيل،او لرتفاع نسبة الواقعية… عموما لو كان هناك استعمال خاطئ لها ممكن ان يجعلها خاوية فأظن انه ((القصة عميقة)) لان الوصف غير دقيق و الموصوف غير محدد؛ ايش العميق في القصة ؟ القصة تحتوي على اشياء كثيرة : هل العميق الشخصيات ؟ ام تصوير القضية ؟ ام معالجة القضية؟ ام عالم القصة؟ انا عن نفسي ما عندي مشكلة مع هذا المصطلح لان عناصر القصة متداخله فطبيعي يشعر الشخص بعمومية العمق فيقول القصة عميقة.

    نقطة اخيرة: هل العمق معيار جودة؟ ماهر رفض اعتباره ميزانا، انت قلت انه ميزان للمعادن الثقيلة اما الفواكه فتوزن بميزان مختلف، بيد ان الامر ليس محصصورا على خيارين (معيار ام ليس بمعيار) بمعنى انه ممكن اعتباره ثقل يثقل من وزن العمل اذا ما وضع في الميزان، اي هو علامة جودة وليس معيار للجودة .

    • أهلًا وسهلًا، اعلم -يا عزيزي القارئ المعلِّق- أوَّلًا أن سعادتي بتعليقك شديدة، وأنني طالما أحببتُ أن أتلقى تعليقاتٍ كهذه التي كتبتَها، فإن هذه التعليقات وأمثالها لَهيَ الدليل على جديَّة القراءة وتحليل المقروء، لذا أحيِّيك تحيَّة حارَّة، وأشكرك على تعليقك شكرًا شديدًا، وأسعد أن مقالتي لفتت انتباهك وأعجبتك إلى حدِّ أن تقتطع من وقتِكَ شيئًا لتعلّق هذا التعليق المفصَّل المُثلج للصدر!

      – نعم المقصود في مقالة ماهر أنَّه يرى الكلمة خاوية في سياقات استعمالها في النقاشات لا أنها خاوية بمعنى انعدام المعنى مُطلَقًا، فهذا لا يزعمه أحد، انتقادي في كيفية التعامل مع هذه الضبابيَّة فقط. أما عن رفضِ ماهر للتعريف المذكور، فهو مُصيب في ذلك، لأنه أشبه بتفسير الماء بالماء، إذ نحتاج أصلًا لمعرفة العمق أو السطحيّة حتى نعرف الآخر، وليس في التعريف الذي رفضَه شيءٌ منهما، ومن ثمّ لا يسلم من النقد.

      – لا بأس بأن يختلجك معنًى ما في كلمة العمق، لكن المشكلة -عزيزي القارئ المُعلِّق- في الآتي: هل يُناسب هذا المعنى تعريفًا وقالبًا نقديًّا يتشكَّلُ مع كافَّة السياقات الخاصَّة؟ ما أخالك تزعم هذا، إذ إنك رفضتَ المعنى الحرفيَّ لها، ونحن إذ نحاكمها إلى معناها الحرفيّ، ننقدُ التعريف المقدَّم، دون نقد كون المتفضِّلين بها قالوها في سياق تقريبيّ، فيجب التَّفريق.

      – تقول إن موافقتي لماهر غريبة لأنني انتقدتُ فقدان الكلمة لمعنى واضح في سياقات استعمالاتها ضمن مجتمع الأنمي، رغم أنني أحتّم العودة إلى السياق لاستخلاصها، وهذا مِنكَ استغرابٌ غريب، عزيزي القارئ! إذ لا أعرف أيَّ موضعٍ تقصد من كلامي، والمقصود في كلامي -كما هو واضحٌ- أمران: أوَّلهما: ضرورة تخصيص المعنى اللغوي لكلمة “عمق” بصفة “الفني القصصي” إن أردنا إنشاء اصطلاح. ثانيهما: ضرورة مراعاة كلّ سياق خاص للأعمال الفنيّة خلال تطبيق هذا المفهوم. وليس في كلامي، على الإطلاق، أن كلَّ سياقٍ استُعملت فيه هذه الكلمة حجّة وينبغي استخلاص المفهوم مِنه! كيف؟ وأنا أنتقد كيفيَّة استعماله أصلًا!

      – تقول: إن سعة دلالة اللفظ لا يعني خواءها، وأقول: ماذا تقصد بسعة الدلالة؟ يظهر لي بعد أن ذكرتَ هذه العبارة مباشرةً أنك تعلم شدّة الاضطراب في بيان المعنى، وإذًا فهو ليس “سعة دلالة” للّفظ، بل اضطراب داخل عليه إذ يستعمله كلٌّ بمعنى مختلف، ولو كان هذا واضحًا لقلنا: سلَّمنا، فالمعنى مختلف في كلّ استعمال، بل الأمر مختلط وكلمة “العمق” تحمل كلّ هذا التراكم المضطرب، ويُتناقش على أساس هذا الخلط الشديد، دون أن يكون له أصلًا معنى واضح. فاستعمال هذا اللفظ، في سياق نقاشات الأنمي، غالبًا لا محصّل من ورائه أصلًا!

      – إجابتك حول “هل العمق معيار” هي الإجابة الأولى لكن بألفاظ مختلفة (وتعبيرك لطيف)، أنت تقول إن العمق قد يكون محدِّدًا لمدى جودة العمل دون أن ينقص ذلك من الأعمال التي لا تحتويه إن لم يحتّم سياقُها ذلك، ولا مشكلة عندي مع هذه الإجابة. كما هو واضح من المقالة: أنا لستُ واثقًا، فيما عدا النقطتين اللتين قدمتهما، بمدى إمكانية عدِّه معيارًا، وإن كنتُ أميل إلى عدم عدِّه معيارًا أو علامة جودة كما هو تعبيرك اللطيف.

      أكرِّرُ في النهاية شكرك، والتعبير عن إعجابي الحارّ بتعليقك، وسعادتي به. دمتَ بودّ عزيزي.

      • العفو صديقي و ادام الله سعادتك في الدارين.

        بالضبط لكن تعبير ماهر بكلمة (خاوية) يشعر انه ينكر المعنى لكن هو في الواقع ينكر امر متعلق بالمراد من اللفظ لا معناه؛ بمعنى انه لا يوجد آلية معتمده تقود الى المعنى ؛ اللي ابي اوصله انك انت عالجت المشكلة اثناء حديثك عن المعنى اللغوي فااا ايش يضيف التعريف الاصطلاحي ؟ فعليا التعريف الاصطلاحي زيادة توضيح للمعنى اللغوي اذا كان هذا مقصدك فهذا امر مقبول بمعنى اخر انا أرى ان المعنى اللغوي و الاصطلاحي لا يختلف مطلقا؛ يعني الكاتب اللي عنده معرفة قوية بالرأسمالية أو الاكتئاب يمديه يألف كتاب عميق عن احد الموضوعين أو قصة عميقة عن احد الموضوعين و الكاتب اللي عنده فهم قوي للبشر يمديه يطلع في بودكاست او قناة تلفزيونية يتكلم عن طباع شحصية معينه و طريقة تفكيرها و يحللها من فوق لتحت ويمديه يألف شخصية عميقة في قصة، فالمعرفة العميقة اما تنتج كتاب عميق او قصة عميقة، فااا لو تلاحظ العمق منبته واحد الامر اشبه بالعملة التي ان صنعت من ذهب فكلا الوجهين ذهب و ان صنعت من نحاس.. الخ وعليه بما ان المنبت واحد فالمعنى واحد.

        بالنسبة الى التعريف فأشوف ان معناه لم يصلك،1- (السطحية الغبية) هنا حاول ان يقرب معنى السطحية بوصفها بالغبية، اعتبر الغباء او السذاجة علامة للسطحية،2- ثانيا وهو المهم هنا انه عنى بقوله( لما يكون في طبقة تحت الطبقة السطحيّة) ان توجد الطبقتين معا وهذا على غرار قولنا : انما يوجد الخير بوجود الشر، و توجد الراحة بوجود التعب، وكذلك العمق نعرف وجوده بوجود السطحية، لكن ماهو باين هل هو يشترط ان توجد الطبقتين معا في العمل؟ بمعنى ان العمل في بدايته يعرض لك التصور السطحي ثم مع تقدم القصة تكتشف ان الامر ليس بالبساطة المتصورة وليس بالحدود القاصرة تلك، ام انه لا بأس ان توجد الطبقة السطحية في الاذهان؟ بمعنى ان يكون لي على سبيل المثال تصور معين عن الساموراي ثم بعد مشاهدة فلم لكروساوا عن الساموراي اكتشف ان تصوري ساذج، عموما كلا الحالتين تقدمان آلية تقود الى معنى العمق، وهو بنفس قولك (النفاذ الى حقائق الامور)

        “لا بأس بأن يختلجك معنًى ما في كلمة العمق، لكن المشكلة -عزيزي القارئ المُعلِّق- في الآتي: هل يُناسب هذا المعنى تعريفًا وقالبًا نقديًّا يتشكَّلُ مع كافَّة السياقات الخاصَّة؟ ما أخالك تزعم هذا”

        احس اني ما فهمتك لكن على فهمي اشوف ان المشكلة اللي طرحتها هنا تختلف عن اللي طرحها ماهر، ماهر ما يشوف تعريفاتهم صحيحة من الأساس مش بس تفتقر الى الشمولية (على حسب فهمي لكلامك)… عموما اذا هو يبي ينقد المعنى بقض النظر عن المراد فلا بأس بس هذا بيخلي نقطته (لك عليها) يعني هو كان يبي يوصل بنقده للتعريفات انه لا يوجد مفهوم سليم للعمق جميل.. مفهوم العمق لدى كل شخص يوجد مئة بالمئة في المراد و 50-70 بالمئة من مفهومه في المعنى ( التعريف) و أصلا واضح ان الأشخاص وهم يعرفون المصطلح ماهم ماخذين بروستيج موضوعي فااا الي صاير كأنه نقد سواليف نقد موضوعي.

        “تقول إن موافقتي لماهر غريبة لأنني انتقدتُ فقدان الكلمة لمعنى واضح في سياقات استعمالاتها ضمن مجتمع الأنمي، رغم أنني أحتّم العودة إلى السياق لاستخلاصها، وهذا مِنكَ استغرابٌ غريب الخ”
        على ما يبدو اني اسأت فهم كلامك المعذرة

        “تقول: إن سعة دلالة اللفظ لا يعني خواءها، وأقول: ماذا تقصد بسعة الدلالة؟”
        الدلالة بمعنى الالية
        لا يا اخي ما هو اضطراب، الذي اعنيه هو ان اللفظ له معنى واضح، لكن لا يحمل الية معينة تحقق ذلك المعنى ولا يلزم ان يحمل أي الية زي كلمة معقد لما اقولك القصة معقدة فالمعنى واضح لكن ليش هي معقدة ؟ هذا لا ينبغي من اللفظ ان يحمل دليل معين او ارشاد يقود الى معنى التعقيد انت ينبغي عليك اذا بغيت ان تعرف ان تستفسر ليش القصة معقدة، فااا فعليا ما في شي معين يخلي القصة عميقة فاللي يستخدمون اللفظ هم انما أرادوا المعنى فقط المتمثل في إرادة ان العمل يتناول الشي محاولا تغطية اكبر قدر ممكن من الجذور و الفروع و محاولة التوفيق بينهما او محاولة الوصول الى الجوهر أو شي من هذا القبيل، لكن ممكن حصر الاليات (لشيوعها) دون حكر العمق على تلك الاليات .

        “إجابتك حول “هل العمق معيار” هي الإجابة الأولى ”
        لا الفرق اني ما أطالب أي عمل مهما كان بالعمق ولا اشترط الامتياز ان وجد العمق يعني هو وسيلة للجودة، وهذان الامران هما ما يجعلان العمق ليس بمعيار فممكن تكون المعالجة عميقة لكن اخذت وقت كثيييير فأحكم على القصة بأنها وسط بين الامتياز و السوء، او ممكن ان تكون القصة عميقة لكن خيال القصة ضعيف او هناك ضعف في المصداقية فهنا حكمي سيكون دون الامتياز، وممكن تكون الشخصية فيها شويتين عمق وتقدم نفع جيد جدا للقصة فهنا انا اعطيها 10 من 10 … فهذا ما اعنيه حين ما أقول ان العمق علامة جودة (اجمع علامات الجودة و الضعف و أحاول ان اوازن بينهم لاصدار حكم او تقييم رقمي) فكما ترى الامتياز لا يتعلق بالعمق فهو ليس معيار… و أيضا ممكن ان اعطي شخصية عشرة من عشرة دون ان تكون عميقة فلو قدم الكاتب شخصية مميزة جدا جدا فهي تستاهل العلامة الكاملة، وارى انه ممكن تقديم شخصيات رااائعة دون ان تكون عميقة و عليها تستحق علامة الكاملة، فبختصار لا أطالب أي عمل ولا أي جزئية في القصة ان تكون عميقة اطالبها بالجودة العالية سواء كانت بوسيلة العمق او غيرها او بالجمع بالقليل من كل وسيلة حتى يصبح الامر كعصير الكوكتيل فالامر حر.

        • – سبب إضافة التعريف الاصطلاحي هو تقييده، حين عرفنا العمق لغةً، وصفناه بعدها “بالفنّي القصصي” والوصف يستلزم تقييدًا لغويًّا، هذا التقييد اللغوي إما أن يكون تركيبًا اصطلاحيًّا أو لا، والأوَّل هو المراد. العمق معنى ينطبق على مصاديق كثيرة المُراد منها جزء في سياقنا. واستخلاص المعاني التي أضفتها للمصطلح ليس يسيرًا من المعنى اللغوي نفسه (تفصيلًا).

          – نعم الأمور تُعرف بمقابِلاتها لكن هذا في حال كان المقابل معروفًا، ونحن لم نعرف السطحية لنعرف مقابلها، محاولة استخلاص المعنى من قوله “الغبية” أراها مبالغة، كما أن عدم وضوحها مشكلة أخرى؛ إذ لا يتحقق في كل عمل موضوع يتطلّب وصفًا من الوصفين له. وحينها وإن صحّ انتفاء العمق عنه، فلا تثبت له السطحية بالمعنى المُشار إليه هنا. ومساءلتك للتعريف صحيحة، وهي مشكلة أخرى فيه. أما النفاذ إلى حقائق الأمور فيُمكن أن يصدق عليك أنت المتلقي في تحليلك، كما يمكن أن يصدق على المؤلف في تأليفه، على أنهما من جهتين مختلفتين، وهنا أيضًا يكمن ضرورة الاصطلاح.

          – الافتقار إلى الشمولية وجه من وجوه انتقاض التعريف، فإن التعريف يُشترط فيه أن يكون جامعًا مانعًا، ومن ثَمّ فقولك “ماهر لا يرى تعريفاتهم صحيحة، لا أنه يراها مفتقدة للشمولية”= خطأ، إذ الافتقار لخاصية الجمع أو المنع ينقض التعريف. وكما قلت لك، النقد للتعريف بصرف النظر عن غاية قوله، إن نظرنا للسياق سنقول إنه لم يُكتب ليكون تعريفًا جامعًا مانعًا؛ هذا سليم، لكن غايتنا من ذكره هنا ليست هذه، بل غايتنا مجرد بيان الفكرة؛ أعني فكرة أن هذا اللفظ يُستعمل بطريقة غائمة ومشوَّشة ولا تعطي معنى واضحًا= ثم هو مع ذلك يُناقش على أساسه، دون أن يعيَ المتناقشان أنّ مفهوم كليهما إما مختلف أو غير موجود أصلًا (بشكل دقيق).

          – قولك إن المعنى واضح خطأ محض في نظري، لو كان واضحًا لكان بإمكان كلِّ من تسأله أن يؤدي إليك المضمون في يُسر وسهولة= بل الأمر كما قلت: القائل يقول الكلمة لكن لو سألته عن معناها سيحتار أو سيجيب جوابًا غير شافٍ، لديه فكرة عامة غائمة عن المعنى، لكن ليس لديه “المعنى”. أما تبرير وجود العمق وشرحه؛ بعبارة أخرى: تطبيقه= فهو أمرٌ أبعد من هذا، لأن الموضوع غير واضح فضلًا عن المصداق.

          – والإجابة الأولى أيضًا لا تشترط وجود العمق، الخلاف بينك وبينها خلاف لفظيّ، أنت تسمّي “الشيء الذي لا يلزم وجوده لكن إن وُجد فهو يمثّل علوًّا فنيًّا”= علامة جودة، في حين أن الإجابة تسميه معيارًا ليس لازم الوجود. وكلامك عن الجمع بين العناصر المختلفة (مع إعادة التأكيد أنه فصل تحليلي محض، وإلا فالعمل وحدة فنية لا تتجزَّأ)= صحيح تمامًا ولا خلاف فيه.

          • “محاولة استخلاص المعنى من قوله “الغبية” أراها مبالغة”
            طيب ما هي مشكلة اعتمد معنى الكلمتين من المعنى اللغوي و سيكون كلام عبارة عن ذكر لآلية تكون العمق و سيضل الكلام يجيب عن اشكالية ماهر .

            “إذ لا يتحقق في كل عمل موضوع يتطلّب وصفًا من الوصفين له. وحينها وإن صحّ انتفاء العمق عنه، فلا تثبت له السطحية بالمعنى المُشار إليه هنا”

            والله حتى تعريفك الاسطلاحي لا ارى انه يحدد الحد الذي به تدخل القصة الى حدود العمق .
            الرجال لما ذكر صفة الغباء فهو يقرب لك المعنى بأن اذا رأيت ان الامر بدى و كأنه ساذج او غبي فعرف بأن الامر دخل حدود السطحية، و على العموم يضل الامر(الوسطية بين العمق و السطحية) تقديري الى حد ما لا حد فاصل فيه يعني يحتاج الى انك تجيب اهم المشاهد ثم تنظر الى هل انت قادر على بيان وجه السذاجة او النضج ؟ اذا لا فالقصة وسط .

            ” أما النفاذ إلى حقائق الأمور فيُمكن أن يصدق عليك أنت المتلقي في تحليلك، كما يمكن أن يصدق على المؤلف في تأليفه، على أنهما من جهتين مختلفتين، وهنا أيضًا يكمن ضرورة الاصطلاح”
            ممكن ولو اني ماني عارف كيف بينفذ من جهة الكاتب، لكن ما اشوف ان ذي نقطة مهمة .

            ” الافتقار إلى الشمولية وجه من وجوه انتقاض التعريف…الخ” الذي قصدته بقولي ان ماهر لا يرى تعريفاتهم صحيحة من جهة المعنى لا من جهة اعتبار ذلك تعريفا؛ فنقطتك خارج محل النقاش الا اذا اردت بها ان بما ان أصحابها لم يعرفوا العمق تعريفا جامعا مانعا اذن معنى العمق لديهم ضبابي فهذا استشكال لا ينبغي ان يطرح لان الجواب على ذلك قد تم قبل طرح الاستشكال فهم لم يهدفوا لان يكون تعريفهم حديا بل تقريبي وهذا بادي من صياغتهم ليس لانهم عاجزين عن ذلك ثم ضع في الحسبان ان تعريفك احتجت الى شرحه وهو حدي فمن باب أولى ان تحتاج تعريفاتهم الى شرح، اما مسألة اختلاف التعريفات فمآلها سعة الدلالة كما ناقشت سابقا… اختلاف مفهوم كليهما طبيعي انا لما قرأت تعريفك حسيته واضح فخطرت الشرح لكن لما رجعت للشرح لاحقا بانت لي أمور ما استنبطتها من مجرد التعريف .

            “معيار عامٌّ من جِهة، وخاصٌّ من جهة أخرى. عامٌّ: للأعمال التي تحتوي على معالجات لموضوعات محدَّدة يُمكن المفاضلة بينها على أساس وجود العُمقِ فيها”
            طيب انا ما أقول بهذا الكلام .
            يُمكن القول: إنّ كثيرًا من بيئاتها وأفكارِها، يُمكن أن تُتَناوَل بمعالجاتٍ ناضجة، وهذا كافٍ لنفرِضَ عليها معيار الجودة، دون أن نطالبَها بتطبيقه، غايةُ ما في الأمر أنَّا نعتبرها أعمالًا أدنى نَظَرًا لهذا.
            ولا أقول بهذا الكلام .
            “الشيء الذي لا يلزم وجوده لكن إن وُجد فهو يمثّل علوًّا فنيًّا”
            لا. ان وجد فهو إيجابية ممكن تكون إيجابية كبيرة و ممكن تكون صغيرة كلٌ على حسبه وهاذا مخالف لمعنى المعيارية التي تعني ان يكون العمق مقياس، وان لم يكن مقياس فلن تصح المفاضلة بين الموضوعات المحددة على أساس وجود العمق فيها .

            قولك إن المعنى واضح خطأ محض في نظري، لو كان واضحًا لكان بإمكان كلِّ من تسأله أن يؤدي إليك المضمون في يُسر وسهولة= بل الأمر كما قلت: القائل يقول الكلمة لكن لو سألته عن معناها سيحتار أو سيجيب جوابًا غير شافٍ، لديه فكرة عامة غائمة عن المعنى، لكن ليس لديه “المعنى”. أما تبرير وجود العمق وشرحه؛ بعبارة أخرى: تطبيقه= فهو أمرٌ أبعد من هذا، لأن الموضوع غير واضح فضلًا عن المصداق.

            ماهو شرط أحيانا يصعب توضيح المعنى الواضح اكثر مما هو عليه…. عموما النقاش في هذه النقطة مسدود لان محلها الاستقصاء لا الكلام النظري، الملخص انك ترى المعنى ضبابي لدى مجتمع الانمي وأني أرى انهم يملكون معنى واضح لكن دلالة اللفظ واسعة… بنظري السؤال الذي ممكن يطرح هو هل مجتمع الانمي يمتلك معنى دقيق للعمق؟

    • نعم لكنني فضَّلتُ استعماله للدلالة على دخوله داخل القصَّة. إذ أرى هذا اللفظ أبيَن في هذا السياق، والله أعلم.

اترك ردّاً