السلسلة النقديَّة – (5) مدخل إلى الحبكة (3): تجديد الحبكة

إدوارد مورغان فورستر

 أهلًا بكم.. قد طال بيني وبينك العهد -عزيزي القارئ- حتى خشيتُ أن لا أرى وجهك مُجدَّدًا، وكما بعث هذا في قلبي الأحزان -عَلِمَ اللهُ- بعَثَ في قلبي الإرادة؛ لأراك مرَّة أخرى، فنفضتُ عن كتفيّ غبار الكسل، وراجعتُ أمري، فاخترت أن لا أفقدك، وأنت تعلم مكانك عندي!

إذًا، يا عزيزي القارئ، فرغنا فيما مضى من تجريد الحبكة وبيان مفهومها وأصولها، كما فرغنا أيضًا من بيان أنواعها، فلا نُعيد، واعتمدنا في كلّ ذلك على أرسطو، للسبب الذي بيّنّاه أيضًا في “التَّجريد” مِن أنّ أرسطو هو أوَّل من نَظَّر للحبكة، أو -على الأقلّ- أقدم من وجدناه تحدَّثَ عنها. كما قلتُ لك إنني سأعتمد على كتابَيْن، الأوَّل لأرسطو والثاني لإدوارد مورغان فورستر، الروائيّ والناقد الإنجليزي.

وها نحن ذا نتجاوز قراءة ما كتبه أرسطو، لنصل إلى قراءةٍ أخرى لأرسطو، لفورستر في كتابه “Aspects of The Novel” الذي أُحِبّ أن أترجم عنوانه إلى “أركان الرِّواية” غير أن المترجم -كما أسلفنا- اختار أن يُترجِمَه “أركان القصّة”، وأمَّا سببُ تفضيلي فهو انصراف مصطلح “الروايةNovel إلى نوع خاص من القصص، وندعُ هذا الآن على كلِّ حال، فليس محلّ البحث.

ذكرتُ مُسبقًا، في غَيرِ واحدةٍ من مقالات هذه السلسلة، إمكان توسيع مفهوم الحبكة ليشمل كتابة الشخصيَّات ومفهوم التماسك، وههنا يتبيَّن لك الأساس الذي سيقوم عليه مثلُ هذا التوسيع للمفهوم، والسياق الذي يجب أن يخضع له مفهوم الحبكة ليتَّسع ويشمل هذا الجانب، فهَلُمَّ.

الحبكة الروائيّة: فورستر ينقد أرسطو

ينقدُ فورستر مفهوم أرسطو للحبكة في كتابه، فيقول: “يقول أرسطو: ((إن الشخصيَّة تعطينا صفاتٍ ولكن سعادتنا أو شقاءنا ينحصران في الأعمال التي نقوم بها)). لقد سبَقَ أن أشرنا إلى خطأ أرسطو وعلينا الآن مواجهة عواقب مخالفته في رأيه. ونعرف أكثر عن الموضوع من قول أرسطو: ((إن كلَّ سعادةِ الإنسان أو شقائه تتخذ شكل الأفعال))

أُوقِفُ الاقتباس هنا، لأنبِّهك -وأنت النبيه الفطِن، عزيزي القارئ- إلى القضيَّة التي ستؤطّر هذا النقد كلَّه، ألا وهي: الأفعال والنفسيَّة (الحياة الخفيَّة)، يتبنَّى أرسطو رؤيةً للحبكة قوامها ملاحظة الأفعال؛ أي أفعال الشخصيَّات، الأحداث التي تجري على يديها، ويقول فورستر إن هذا المفهوم قاصر، لمَ؟ يعلِّلُ لك بعد النقل الآنف مباشرةً: “ونحن نعتقد أنّ السعادة والبؤس يُوجدان في الحياة الخفيَّة التي يحياها كلٌّ مِنّا في السرّ والتي يتوصل إليها الروائيّ (عن طريق شخصيَّاته)

أعيد تنبيهك إلى عبارة مهمّة جدًّا، وهي “والتي يتوصّل إليها الروائي (عن طريق شخصيّاته)”، كما اختار المُترجم ترجمتَها، والنصّ الإنجليزي:

To which (in his characters) the novelist has access

ويمكن فهم اختيار المترجم التصرّفَ في الصياغة مع الحفاظ على أصل المضمون نظرًا لصعوبة نقل تركيب كهذا إلى العربيّة بصياغة معتبرة، وعلى كلِّ حال ما أريد الإشارةَ إليه هنا هو استعمال فورستر لفظةَ “الروائيّNovelist وسأعود إلى أهمية هذه النقطة لاحِقًا.

يواصل فورستر شرح مقصوده بـ”الحياة الخفيّةSecret life (من الغريب أن يترجمَها المترجم -كما سترى- أحيانًا إلى “السريّة” وأحيانًا إلى “الخفيّة” وكان الأحرى أن يلتزم بمصطلح ثابت، والثاني هو الأنسب لاعتبار السياق) فيقول: “ونحن نعني بالحياة السريّة [الأنسب أن يُقال الخفيّة] تلك الحياة التي ليس عليها أيُّ دليلٍ ظاهر، وهي ليست تلك الحياة التي تكشف عنها كلمة عابرة أو تنهيدة، كما يُظنّ عادةً.

وهذا مما يثير الإعجاب، إذ يستوفي فورستر كلَّ فهم خاطئ يُمكن أن تقع فيه، فيطرح جانبًا ما قد تفهمه من أنه يقصد بالحياة الخفيّة -التي أفسّرها أنا لك بأنها الحياة الداخليّة والأحداث النفسيّة، بعبارة واضحة- تلك التي تُكشف بتنهيدة أو بكلمة تخرجُ دون إرادة، بل يقصد الحياة التي “ليس عليها أيّ دليل ظاهر” مُطلَقًا، ولا يصِلُ إليها سوى الروائيّ، الذي يسرد لك الشخصيَّات ومشاعرها وتقلباتها النفسيَّة.

يعلِّلُ فورستر: “فالكلمة العابرة أو التنهيدة تُعتبَر دليلًا كالحديثِ أو القتل تمامًا، والحياة التي تكشفها تخرج عن نطاق السريّة إلى دائرة العمل.” وهذا يوضّح الفكرة تمامًا، الأحداث الفعليَّة هي ما عليها دليل ظاهر، والأحداث النفسية الداخلية هي تلك التي ليس عليها دليل ظاهر، وللروائيّ -فقط- اتصاله بها. وكلّ هذا يندرج تحت نطاق الحبكة، وهنا يتَّضح لك ما قلته سابِقًا من إمكان توسيع الحبكة لتشمل جوانب كثيرة من كتابة الشخصية ومفهوم التماسك في بنائها، فضلًا عن تماسك الأحداث الفعليّة؛ فإن المفهوم الأرسطي يشملها. وأقول “جوانب كثيرة” لأنه يمكننا إخراج أمورٍ، كالبدء بكتابة الشخصية واختيار صفاتها، من “الحبكة”.

ومن الواضح -وأنت النبيه، عزيزي القارئ!- أنّ الحبكة التي توسَّع مفهومها، أيضًا مبنيَّة على القانون ذاتِه، أعني قانون “الحتميّة أو الاحتمال” ومِن ثَمّ فأي تطوّر للشخصيَّات، على الصعيد النفسيّ، إنما يقوم على هذا القانون الذي أوضحناه، وكذا أي أحداث داخليّة نفسيّة يمكنك أن تتصوَّرها، وهكذا نَصِلُ إلى تجديد الحبكة.

أرسطو وفورستر – المسرحيَّة والرواية: اختلاف السياق

تتذكّر -عزيزي القارئ- أني قبل قليل، أشرتُ إلى أهميَّة عبارة “الروائي” في كلام فورستر، ولعلّك فهمتَ الآن وجه هذه الأهميّة. حين يوسّع فورستر مفهوم الحبكة، فإنه يتحدَّث في سياق نقديّ آخر غير ذاك الذي كان يتحدَّثُ فيه أرسطو، فإنّا قلنا إن أرسطو كان يتحدَّث عن الفنون القصصيّة الشعريّة التي كان ينظّر لها؛ المسرحيّة بشكل أساسيّ وفي معظم الكتاب، بالإضافةِ إلى الملحمة. بل إن أرسطو كان يتحدّث تحديدًا، في غالب عَرْضِه للحبكة، عن المسرحيّة. بل كثيرًا ما يتخصَّصُ الكلام بالتراجيديا، لأسباب ذكرناها سابِقًا حول الكتاب وجانب التنظير الخاص بالكوميديا منه.

لا يفوتُ هذا فورستر، لذا يقول: “ولكننا لن نقسو على أرسطو، فهو قد قرأ روايات قليلة ليس بينها رواية حديثة. قرأ (الأوديسة) [لهوميروس] مثلًا ولم يقرأ (يوليسيس) [لجيمس جويس]” ونجدُ هنا أن فورستر يسمّي الملحمةروايةًNovel، ويفرّق بينها وبين “الرواية” التي نعرفها، بوصف هذه الأخيرة بـ”الحديثةmodern وهذا من قبيل الاشتراك اللفظيّ، فالفرق -كما لا يخفى عليك- كبير بين الملحمة Epic وبين الرواية Novel. وقد عدتُ إلى النص الإنجليزيّ الأصلي، فوجدتُه بالفعل يشير إلى الملحمة بهذا، وليس تصرُّفًا من المترجِم.

يُكمل فورستر: “وكان [يعني: أرسطو] بطبعه يكره السريّة، وينظُر إلى العقل الإنساني كحوضٍ يمكن أن نستخرج منه كلَّ شيءٍ، ويبدو أنه حين كتب الكلمات المذكورة، كان يقصد الدراما [المسرحية] التي لا شكّ تنطبقُ عليها هذه الكلمات. ففي الدراما يجبُ أن تتخذ السعادة الإنسانية أو الشقاء شكل العمَل، وإلا فإن وجودها يظلّ مجهولًا، وهذا هو الفارق الكبير بين الدراما والرواية.”

إذًا اختلف الموضوع، وكذا السياق النقديّ، ومِن ثَمّ تحمّل مفهوم الحبكة هنا أكثر مما تحمَّله المفهوم الأرسطي، وهذا الاختلاف في السياق، الذي يجرّ معه اختلافًا في وجوه الحكم والنقد وإمكانيّة التطبيق، ويطرح ضرورة التعديل على المفهوم= سيُعيننا كثيرًا حين نتكلّم عن تطبيق الحبكة. وأنتَ ترى أنّ فورستر اعترف -أخيرًا- بصحّة المفهوم الأرسطيّ، حين خصَّصه بالسياق الذي طرحه فيه أرسطو. لاحِظ أنه حتى حديث النَّفس Monologue، على اختلاف غاياته، ليس استثناءً في المسرحيَّة، إذ يتَّخِذُ هو أيضًا شكل الفعل، وتذكّر هنا مُجدَّدًا عبارة “دليل ظاهر” التي استعملها فورستر.

من المُفيد أن ننقل توضيح فورستر للاختلاف في السياق، إذ يقول: “والكاتبُ في الرواية يتميّز بأنه يمكنه أن يتحدّث عن شخصياته، وأن يتحدَّث على لسانهم، أو أن يعمل الترتيبات لنا arrange for us لكي نصغيَ حينما يتحدَّثون إلى أنفسهم. كما أنه يستطيع الوصول إلى مناجاةِ النَّفس، ومن هنا يمكنه التعمّق والنظر في اللاشعور.

فههنا تقنيَّات متعدِّدة يتوسَّلها الروائيّ في سبيل مراده، وثمّة أمرٌ مهمّ جدًّا أيضًا في هذا السياق، يقول فورستر إن الكاتب المسرحيّ يستطيع أيضًا أن يكشف عن “اللاشعور”، ويتَّضحُ هنا الفرق بين المسرحية من جهة الكتابة (إذ تتضمّن أحاديثَ نفس) وبين المسرحيّة من جهة كونِها فنًّا معروضًا، والمسرحيَّات في الأساس كُتِبَتْ لتُمَثَّل، لا لتُقرَأ (أعني في اليونان القديمة، لاحقًا تطوَّر مفهوم كتابة المسرحيَّات وقراءتها، وليس هذا موضوع بحثنا الآن).

فورستر والنموذج التفسيريّ الجديد

يقَع على عاتِق فورستر، بعد أن وسّع مفهوم الحبكة أن يقدّم نموذجًا نقديًّا تامًّا يتوافق مع رؤيته هذه، ليُمكن استعماله في المجال النقديّ الروائيّ، وهذا تحديدًا ما يفعله، بعد أن يطرحَ سؤالًا: “ماذا يحدث للحبكة بعد أن توسعنا في تفسير معنى الطبيعة البشريّة؟” [أضاف المترجم وصف “الروائية” بعد الحبكة وهو تصرُّفٌ ليس في محله في هذا السياق] وأنت بَصِير -عزيزي القارئ- بأننا لا شُغلَ لنا في تناول كلّ ما قاله، غير أننا سنلتقط من كلامه بضعةَ أشياء تُرينا كيف تتبدّل التطبيقات بتبدّل المجال والسياق.

يعرّف فورستر الحكاية أو القصّة بأنها: “مجموعة من الحوادث مرتّبة ترتيبًا زمنيًّا.” والحبكة بأنها: “سلسلة من الحوادث يقع التأكيد فيها على الأسباب والنتائج.” ويطرح أمثلة: “فإذا قلنا ((مات الملك ثم ماتت الملكة بعد ذلك)) فهذه حكاية، أما ((مات الملك وبعدئذ ماتت الملكة حزنًا)) فهذه حبكة، وقد احتفظنا هنا بالترتيب الزمني ولكن الإحساس بالأسباب والنتائج يفوقه. [مثال] آخر ((ماتت الملكة ولم يعرف أحد سببًا لموتها حتى اكتُشِفَ أنها ماتت حُزنًا على وفاة الملك)) هذه حبكة بها سرٌّ غامض.

ما الفائدة من تنويع الأمثلة؟ يجيبُكَ فورستر بإمكانية التلاعب بالترتيب الزمنيّ القصصي، فيقول: “هذا النوع [الحبكة التي بها سرّ غامض] نستطيع أن نتطوَّر به كثيرًا، وهو يلغي الترتيب الزمنيّ، كما أنه يبتعد عن الحكاية بالقدر الذي تسمح به القيود التي تشدّه إليها. فكّر في موت الملكة، فهو إذا وَرَدَ في حكايةٍ سألنا: ((وماذا حدث بعض ذلك؟)) أما في الحبكة فنسأل: ((لماذا؟)) هذا هو الفارق الأساسي بين هذين الوجهين من أوجه الرواية.

تحتوي الرواية، كما يرى فورستر، بوصفها متلقَّاةً على عنصرين: حب الاستطلاع عند القارئ، ويصفه أنه واحد من “أدنى الصفات الإنسانية”، كما يهاجم أصحاب هذا الشعور بأنهم يكونون في غالب الأحيان من ضعيفي الذاكرة والأغبياء (وهو هجومٌ عجيب، لكن ليست هذه المقالة محلًّا لنقاشه فلعلّ لنا وقفة أخرى معه في غير هذا المقام) وهذا الجانب هو المتلقّي للحكاية، إذ هي سلسلة أحداث مرتّبة= والأمر الآخر: هو الذاكرة والذكاء، وهما المطلوبان لتلقّي الحبكة، إذ هي سلسلة أحداث يقع فيها التأكيد على الأسباب والنتائج. كذا عرَّفَها، وإن كان الظاهر أنها ليست سلسلة الأحداث، بل هي الارتباط بين هذه الأحداث، برباط الأسباب والنتائج.

وفَهْمُ الرواية قائم على الذاكرة والذكاء، اللذَيْن يعطيان للحبكة موقعها النقدي المهم. يقول فورستر: “فقارئ الروايات الذكي يلتقط الحقيقة الجديدة بعقله، بعكس الشخص المحب للاستطلاع الذي يكتفي بالمرور بعينه عليها. فهو [الذكي] يراها من وجهتَي نظر، يراها بمفردها ثم يراها مرتبطة بالحقائق الأخرى التي قرأها في الصفحات السابقة. ربما عجز عن فهمها ولكنه لن يتوقع أن يفهمها الآن. فالحقائق في الرواية المحبوكة حبكًا جيِّدًا… غالبًا ما تكون مرتبطة ومتداخلة، ولن يتوقع المتفرّج المثاليّ أن يراها جيِّدًا حتى يجلس على تَلٍّ في النهاية.

يستعملُ هنا فورستر لفظ “المتفرِّجspectator مجازًا كما هو واضح، يواصلُ فورستر: “وعنصر المفاجأة والغموض… له أهمية عظمى في الحبكة. فهو يعمل في غفلة من الترتيب الزمنيّ… فالغموض أساس الحبكة، ولا يمكن إدراكه دون الذكاء. أما الشخص المحب للاستطلاع فلن ينظر إلى أبعد مِن: ((وبعد ذلك…)) ولكي نستمتع بالسرّ، يجب أن نترك جزءًا من عقلنا خلفنا [يُطيل التفكير والتأمُّل brooding] بينما الجزء الثاني مستمرٌّ في سيره.

ترك المترجم، لسببٍ أجهله، ترجمة كلمة brooding وحذفها! لذا أضفتها بين معقوفين.

يتعرَّضُ فورستر بعد ذلك إلى ارتباط الذكاء بالذاكرة في التفاعل مع الحبكة عند القارئ، ويواصل التنظير للحبكة في هذا الإطار النقديّ الجديد، وكما قلنا: ليس هذا شأننا، وإنما عرَضْنا إلى لمحات منه للسبب الآنف ذكره. وهذا يُعينك كثيرًا -عزيزي القارئ- على تصوّر الفروقات السياقيّة في تطبيق مفهوم الحبكة على الفنون القصصيّة.

سأتوقّف هنا، على أن نُكمل قريبًا، وستسدلُ المقالة القادمة -إن شاء الله- الستار على سلسلة الحبكة الجزئيَّة هذه، لننتقلَ إلى مواضيع نقديّة أخرى من السلسلة. والسلام!

“أركان القصة” | “Aspects of The Novel”

اترك ردّاً