شينسيكاي يوري – التكامل القصصي

 “لم أعد أعلم ما الصواب بعد الآن”

لعلّ هذه الجملة الختامية التي تفوّهت بها (واتانابي ساكي) يمكن أن تلخّص حقيقةَ شعور كلّ شخصٍ ينتهي من هذا العمل العظيم، الذي كان أولًا غير مُخيِّب للتوقّعات، وكان ثانيًا متخطيًا لها.

من الصّعب جدًا – في أيّ موضوع – أن تبدأ كلامك بمقدّمة، فالتقديم يُعدّ – ولا ريب – أصعب الأمور، ففي المقدّمة عليك أن تلخّص ما ستتعرّض له، وقد يهون الأمر لو كنت تحفظ ما ستكتب، أو كتبته ثمّ جئت تكتب المقدّمة، لكن – ليت شِعري – كيف لك أن تقدّم لكلامك وأنت تنوي أن تدع يدك تكتب دونما تفكير سوى أوهام خطّةٍ عامّة؟!

لذا، أحبائي.. أهلًا بكم، من لم يشاهد هذا العمل العظيم، فليذهب ليشاهده، ولا يقرأنَّ هذه المراجعة المتواضعة، ففي وديان تواضعها سيلان من الحَرق! إلا – اللهمَّ – لو كنتَ لا تبالي بذلك، وبعد: فسأقسّم الكلام إلى محاورَ أتحدّث فيها محاولًا قدر الإمكان تجلية الكلام وعدم إلقائه مبعثرًا.

القصّة – الفكرة – الوسط المكانيّ والزّمانيّ – الجوّ العام

لعلّ القارئ الكريم – وله كلّ الحقّ – سيتعجّب من لملمتي لأطرافٍ متعدّدة، يرى هو أن كلًّا منها يصلح لكلام مستقلّ، في سياقٍ واحد! أقول: قد يكون لهذا شيء من الوجاهة فيما لو كنّا نتحدّث عن عملٍ من نوعيّة أخرى، لكنّ عملًا بهذه الطبيعة المتشاكسة المتداخلةِ أطرافها، يصعب فيها جدًا – حتى على نحو التحليل المتعسّف – نزع هذه الأطراف عن بعضِها.

كنتُ قد عرّفت مسبقًا في إحدى مراجعاتي ما أقصده بالفكرة والقصّة فقلتُ: “أحبّ دائمًا أن أتحدث عن هذين الجانبين معًا، لأنني أراهما مترابطين جدًا، وبالبداية لا بدّ أن أعرّف لكم ما أعنيه بهذين المصطلحين.. القصة هي الأحداث الأولى التي بدأ بها المسلسل أو العمل عمومًا، أما الفكرة فهي الإطار القصصيّ الذي وظفته هذه القصة من خلالها، والذي سيؤطر الأحداث بعدها، والذي قد يظهر لنا بالكامل في البداية وقد لا يظهر.”

أقول: وفي حالتنا هذه يبدو فصل هذين الجانبين أشدّ تعقيدًا، لكننا يمكن أن نقول إن القصّة هي تواجد مجموعةٍ من الأصدقاء المقرّبين يعيشون في وسط مكانيّ محدّدٍ غريبٍ مهيئين لتفاعلاتٍ وشيكة، أما الفكرة فهي الإطار العام الذي وُظّفت هذه البداية فيه وهو تفاعل الشخصيّات معًا ومع العالم الموجود مما يقود إلى سلسلةٍ أخرى من التفاعلات والأحداث تنتهي بحدثٍ محدّد! ومن هنا تبرز أهمية إضافة البعد المكانيّ – خصوصًا – والزّماني والجوّ العام الذي يتفرّع عنهما، من البيّن جدًا أنني أتحدّث وكأنني أفكّ شفرةً، وقد يبدو كلامي طلاسمَ غير مفهومة لكنّ كلّ هذا سيتجلى مع الوقت.

لذا لكي نبدأ بجزئية البُعد الزماني والمكاني نقول: تقوم أحداث هذا العمل في وسط غرائبيّ عجائبيّ، تشبه هذه الفكرة ما قد يرى الشّخصُ في عملٍ مثل Made in Abyss من هذه الناحية (ومن هذه الناحية حصرًا لا من غيرها، كما سنرى حين نتطرّق لجزئيّة المادّة، وفي كلّ الأحوال ليست هذه المراجعةُ مقارَنةً بين عملين) ففي هذا العمل تجدُ أشخاصًا لديهم قوّة داخلية من نوعٍ ما، بالإضافة إلى وجود كائنات خارقة أو غير طبيعيّة أو سمّها ما شئت.

هذه النواة الأساسية تقود لاحقًا لمعرفة كيفيّة تشكّل هذا الوضع القائم وتبرز لنا العنصر الزّماني الذي يتضح فيه أننا في زمنٍ على بعد مئات السّنين – أو أكثر – من وقتنا الحاليّ، في خضمّ هذا الكشف عن حقيقة العالم الذي نراه تبدأ الحقائق بالتكشّف وتتجلى لنا التطوّرات الماضية والمحتملة المستقبليّة حول هذا العالم. هذا العالم الغرائبي العجائبيّ الممزوج بواقعيَّةٍ من نوعٍ ما نراها متجسدةً في المجتمع البشريّ – وإن اختلفت حياته وكيفية رؤيته للعالم – يشكل لدينا جوًا عامًا ساحرًا تزيده روعةً جزئيات الإخراج والموسيقى!

الحبكة والمادّة

أتطرّق من جديد إلى نقطتين قد يراهما القارئ قابلتين للتجزئة وما ذلك إلا لأن أحدهما يعتمد على الآخر، فكما نجد في هذا العمل تعتمد الحبكة على المادّة الناضجة التي تجعل من المؤلف جريئًا في الطّرح، وينجم عن ذلك خلق حبكة تتناسب تمامًا مع طبيعة العمل.

المادّة التي يقترحها العمل تعتمد على النظام البشري القائم لكي تخلق الحوارات والأحداث. والعالم الذي خلقه المؤلّف يجعل من المادّة التي فيه تتطوّع وفقًا له مما يجعلك – كمشاهدٍ – تجد كثيرًا من الأمور التي لا يمكنك أن تقيّمها وفق معايير عالمك الخاص، فمثلًا أراد العلماء الذين أسسوا للوضع القائم أن ينشؤوا مجتمعًا أشبه بمجتمع قردةٍ من نوع محدّد، لذلك فالحقنُ والتعديلات التي يجرونها تصبُّ باتجاه جعل الفردِ منهم يتجه لتفريغ العاطفة والرّغبة الجنسية في أيّ فردٍ أمامه مهما كان جنسه!

هذا العمل الناشئ من فعل العلماء، يبدو مع الوقت نوعًا من الهجوم المبطّن للمؤلف على هذه الأفعال فيه، حينما يبدأ الهجوم من الشخصيّات على النظام القائم وانتقاده بشدّة، بل وتُستخدم الأحداث نفسها كوسيلة لذلك، حتى يتبلور ذلك في ضوء حدثين مميّزين في هذه المسيرة وهي: مقتل شون (الحلقة 10)، ورسالة ماريا (الحلقة 16)، وفشل كلّ العلاقات المثليّة متمثّلًا بالنهاية التي صاغت لنا زواج ساكي بساتورو، وقبل ذلك في العلاقة النهائية التي تشكّلت بين مامورو وماريا!

هذه المادة التي ستجعلها خاضعةً أشدّ الخضوع للعالم الّذي صوّره لنا المؤلّف، هي من أبرز ما يميّز هذا العمل، فبواسطتها ستجدُ أن ما من شاردةٍ ولا واردةٍ (وهنا تدخل الحبكة في كلامنا) إلا وهي خاضعةٌ لمعايير هذا العالم الخاصّ الغرائبي المتميز بخصائص اجتماعية ونفسية وثقافية محددة، ومن هنا تجد الأحداث – على طول الخطّ – تتّسم بطابع الرّهبة والخوف والحزن، لأن طبيعة العالم تتطلّب ذلك، كما تتسم بطابع التشويق الشديد.

والحزن تحديدًا، يستحقّ منا حديثًا طويلًا، وقد نويت أن أفرد له تدوينةً مستقلةً وأرجو أن لا أتخلّف عن ذلك كعادتي، غير أنني أشير بصورة عابرة إلى أن هذا الحزن يتمثّل في شقّين أولهما تفاعل الشخصيات مع بعضها وثانيهما تفاعل المشاهد نفسه مع الحدث، ويشمل ذلك تفاعل المشاهد – بشكل طويل الأمد – مع الأحداث، حين يصل لمرحلةٍ متقدمة ويجول بخاطره كلّ ما حدث ليؤدي للحظة الراهنة، ويتعزّز هذا الشعور حين ينتهي المشاهد من العمل ويسترجع سريعًا شريط ما جرى وكيف عاصر تطوّر الشخصيّات ونموّها وتقدّمها في السّن، وهذا النوع من الحزن هو الأكثر تأثيرًا في المشاهد ربّما، أو في أقلّ تقدير: من الأكثر.

في حبكة هذا العمل لن تجدَ ثغرات، ومهما وجدت من انتقاداتٍ تجد أن بإمكانك تسديدها إليه، إلا أن حبكته بعيدة كلّ البعد عن الاختلاق والتصنّع والتكلف والارتجال وإدخال ما لا يُحتمل واصطناع الحدث اصطناعًا وإقحام المواقف إقحامًا! ستجدُ أن كلَّ حدَثٍ – بلا استثناء – نابع من صميم حبكة وطبيعة وأحداث العمل، بما في ذلك التحوّلات المفاجئة التي قد تراها فيه، وأهمها كشف لغز الوضع القائم على يدِ المينيشيرو المزيّف – أحداث مقتل شون – هروب ماريا – مقتل ماريا ومامورو – تمرّد الجرذان الوحشيّة – انتصار المقاومة الإنسانيّة.

والجزئيتان الأخيرتان تحديدًا، تفاجئ المشاهد من عظم عبقريّة المؤلف في معالجتهما، ففي الوقت الذي قد يكون الشكّ فيه اكتنف كثيرًا منا حول إمكانيات المؤلف في معالجة القضيّة، برزت لنا من جديدٍ حلوله التي تنبع من صميم وطبيعة وحبكة العمل نفسه!

ولا يسعني إلا أن أرفع القبعة احترامًا له على الطريقة التي أنهى بها الحرب لصالح البشريّة، بصورة درامية، دون ابتذال ولا مبالغات! وتبدأ بعد ذلك رحلة التشكيك التي أشرنا إليها في بداية هذه المراجعة، فمن هو الطرف المحقّ؟

والخلاصة في الأمر أن المواجهة بين البشر وبين المخلوقات الهجينة كان حتميًا، نستعير في ذلك – للتمثيل المحض مرة أخرى – قضية الصّراع في Tokyo Ghoul بين الغيلان والبشر، وفي حالتنا التي نتحدّث عنها من المفهوم جدًا أن تصل الأمور إلى هذه الصورة خصوصًا في ظلّ الاكتشاف الأخير لحقيقة المخلوقات الهجينة.

وفي ظلّ حصول هذه المخلوقات على الدعم المادّي المتمثل باستيلائهم على أطفال البشر وفي مقدمتهم طفل ماريا ومامورو، فكلّ ظروف التمرّد – الذي لا يمكن وصفه بالتمرد الباطل، كما لا يمكن وصف المقاومة الإنسانية بذلك، في حدود هذا العمل – كلها مكتملة، وهنا لا تملك إلا أن تجد الطرفين مشابهين لحالة رغبة الأسد في افتراس الغزال وهروبها في المقابل، من منهما على باطل؟ لا أحد!

وعلى الرغم من أن هناك من قد تترجح كفته في هذا الصّراع من هذه الناحية بين البشر والمخلوقات الهجينة من بعض الجوانب، كبعض حجج (سكويلر) مثلًا، وبعض ردود ساتورو وساكي عليه، وبعض ما قاله (كيرومارو) في النهاية، فتجد بعض حجج هذا وذاك محقّة وبعضها باطلٌ، وهلمّ جرًّا، إلا أنك لا يمكن أن تصل لحدّ قاطع يجعل أحدهما محقًا، وهذا بالطبع في عالمنا الواقعيّ لا يحدث لكون البشر مخلوقات مختارة للتحكم ببقية الكائنات، لكن في العوالم المتخيلة العجائبية يختلف الأمر تمامًا! كما في هذا العمل، وكما في طوكيو غول.

الإخراج والموسيقى والرّسم

لم يتبقّ بعد هذا إلا أن نشير بصورة عابرة لهذه الجوانب التي لا يمكنني قول الكثير فيها لكوني لست متخصّصًا بطبيعة الحال فيها، إلا أنني يمكنني الإشارة إلى أن موسيقى هذا العمل العظيمة أعطت طابعًا خاصًا مميزًا له عززت من الجوّ العام كما أعطاه الإخراج والرّسم ذلك.

ونلاحظ أن الموسيقى المختارة دائمًا ما تكون متناغمة تمامًا مع طبيعة الحدث ومثالُ ذلك حادثة مقتل شون المؤثرة جدًا وظهور مقطوعة Sad Separation وظهورها أيضًا في ختام الحلقة 16 حين كانت ساكي تبكي إثر تذكّرها لما رأته في الحلم من أمرٍ بعدم اللحاق بماريا، كفلت هذه المهارة الإخراجية والموسيقية لكثيرٍ من المشاهد أن تُحدِث الرهبة في قلوبنا.

ختامًا.. أرجو أن أعود للبحث عن مقالةٍ تتعرض للعناصر التراثية والأسطورية التي دخلت في هذا العمل ثمّ ترجمتها، كما أرجو أن أعود لكتابةِ تدوينةً عن عنصر الحزن، لكنني بطبيعة الحال لا أعدُ بشيء.

أمّا عن الجزئيّة التي تهمّ كثيرًا منكم أكثر من غيرها، وهي التّقييم، ففي الحقيقةِ أنا متحيّرٌ فيه كثيرًا بالوقتِ الحاضر، ففي الوقتِ الّذي لا أجدُ فيه شيئًا محدّدًا يعيبه في حبكته وشخصياته، إلا أنني في الوقتِ ذاته أشكّ في استحقاقيّته للعلامة الكاملة، وما دمتُ لم أقرّر إلى حدّ الآن وفي عقلي طرفَان، أحدهما يملي عليّ أن أعطيه العلامة الكاملة وأدخله ضمن الأعمال المفضّلة، وآخر يردّ أن العمل رغم عظمته لم يبلغ هذا المبلغ، أقول: ما دام الوضع هكذا، فقد استقر الأمر على تقييمه: 9 إلى 9.5/10 سأفتقد ليالي هذا العمل العظيم كثيرًا، والسّلام. 

اترك ردّاً