كأنّك ساعةً جلتَ في روحِ شاعِر! ~ March Comes in Like a Lion

هي بالفعل جولة، جولة في روحِ شاعر.. وجولة رائعة في الجديد. في هذا العمل، حلقتان فقط كافيتان لكي تعرف أنك أمام عملٍ عظيم، عمل من الزمن الجميل، يجمع لكَ ثورة درامية هائلة وأفكارًا لا تنتهي، ويوظّف الأدوات المُتاحة أمامه لكي يُعطيك من خلالها كمًا كبيرًا من الجمال. 

(كيرياما ري) لاعب شوغي، عانى من حوادثَ مؤسفةٍ في طفولته، يعرض لك الأنمي التركيبة النفسية العميقة لـ (ري)، ويريك حوله أحداثًا تجعله أشبه ما يكون بمرصاد بشريّ، يرصد ما حوله من الأحاسيس والمشاعر، والظواهر الإنسانية، والتصرفات، والعلاقات، ويترجم رؤيته لك في “مونولوغات” ستجعل هذا العمل من أعظم الأعمال التي رأيتَها على الإطلاق، هذه “المونولوجات” تصدر من شاعر حقيقيّ، (ري) ليس شخصًا يعبر عن نفسه داخليًا بصورة رتيبة ومملة، بل بصورة تجعله شاعرًا حقيقيًا، عالي المقام، ومن الطراز الرفيع!

ليس السانغاتسو عملًا رياضيًّا عاديًّا، فهو إلى جانب الشوغي والتركيز عليها كرياضة وعدم إغفالها بل التعمق فيها وفي ما يؤطرها من تسمّيات وقواعد، وما يكتنفها من مشاعر تصاحب كلّ رياضة.. إلى جانب كل ذلك، فالعمل يُعنى بالدراما بصورة رائعة، وشخصيًا أجد أن الدراما تأتي بالنسبة لهذا العمل في المقام الأوّل، والشوغي وإن لم يكن أداةً درامية خالصة، إلا أنه يكون كذلك بالفعل في كثيرٍ من لحظات هذا العمل.

بناء الشخصيّات الذي رأيناه يُقارع بناء أكبر الأعمال الدرامية في تاريخ هذا الفنّ، هذا البناء لا يقتصر على البطل؛ فهو وإن كان يتمحور حوله، بجعله كما أسلفنا “مرصادًا بشريًا” فالشخصيات كلها نالت حظًا كبيرًا من إبراز هذه التركيبة الرائعة، والأصول المتجذرة للتصرفات التي تراها أمامك، بما يفضي إلى عمل خالٍ تمامًا من المبالغات والتكلف والتفكك الدراميّ سواءً على صعيد الشخصيّات أو الأحداث عمومًا.

المنطقية والتدرّج في الأنمي، سواء ذلك التدرج في الفكرة العامة ومشوار اللاعبين الرياضي وبالأخص (ري)، أو التدرج الخاص بتطور الشخصيات مع المواسم، مُتقن جدًا يستحقّ التصفيق ورفع القبّعة، فـ(ري) ليس رجلًا خارقًا جاء من المريخ يكتسح كل من جاء أمامه، وكذلك، (ري) ليس شخصيةً مبتذلةً تتأثر بعوامل سطحية لتتغير في ظل التغيرات البسيطة بشكل ساذج! العناصر القصصية التي شكّلت محاور أساسية تتداخل مع البطل وتضفي على القصة جوًا من التغير والتطور وعدم الرّتابة مميّزة جدًا، وأدوارها متوازنة جدًا بحيث لا يطغى أحدها على الآخر كما يحدث في كثيرٍ من الأعمال الأخرى.

إبراز المشاعر في هذا الأنمي كان عظيمًا جدًا، وقد اتخذت وسائلَ متعددة، فمرة عن طريق “المونولوغات”، ومرة عن طريق المشاهد التفاعلية بين الشخصيّات، ومرة عن طريق المواقف التي تتخذها الشخصيات، وأحيانًا بالرمزية التي أوضحها لنا عمل أستوديو كـ”شافت” بالتغير بين الألوان والجو العام للدلالة على الحالة النفسية للبطل، خصوصًا الحالة المتباينة بين منزل (الأخوات الثلاث) وبين بقية الأماكن من ناحية الجو العام والألوان. السيناريو يسير بصورة عظيمة، ونرجو ونتوقع أن يستمر كما هو، لأن ما يميز هذا الأنمي هو غياب العبثية في الأحداث والأدوار، فكلّ شيء مبنيّ على أساس قوي، لذا نرى التطورات الدرامية والكشف عن الماضي الذي يفسر الحاضر كلها تجري بشكل سليم جدًا.

الـBackstory جانب رائع جدًا ونادرًا ما نراه بهذه الصورة، بحيث يمتد ذلك لكل الشخصيات الأساسية والمهمة في القصة، والكشف عنها تدريجيًا يجري دون مماطلة وبصورة مناسبة جدًا للتطور في الأحداث الحاضرة. كل ذلك يتمّ بصورة تجعلك تربط بين الماضي والحاضر مباشرةً دون أي ضبابيّة بعد اتضاح الأمور، الطريقة التي نراها في التفاعل بين الشخصيات والربط بينها وبيان تأثير كلّ واحدةٍ منها على الأخرى، ووضع حدود نسبيّة لذلك، أمور تتم بصورة سلسة وذكية جدًا، قلّ أن تجد فيها خللًا – وأنا شخصيًا لم أجد خللًا فيها.

الإنتاج والإخراج لا يُعلى عليهما كما تعودنا في أعمال أستوديو “شافت”، الموسيقى التصويرية عظيمة ورائعة، أغاني المقدّمة والختام كذلك، عمل عظيم جدًا، وكأنك تنظر من خلال جهازك إلى عالمٍ آخر، تحفة بصريّة ودراميّة تستحقّ أن يخلّدها تاريخ هذا الفن. هذه المراجعة المتواضعة عامة ستتلوها – إن شاء الله – عدة مواضيع تتحدث عن بعض العناصر القصصية والشخصيات بما يسمح لي الوقت والمزاج، أنتظر الموسم الثاني بفارغ الصبر، وبكل صراحة حين بدأت بمشاهدة هذا الأنمي كنت أتوقع أن ينال إعجابي، لكن الذي لم أتوقعه هو أن يحوز إعجابي الشديد بهذه الصورة! 10/10 وإلى المفضّلة. 

تعليق واحد

اترك ردّاً